بناء المسارات الصحيحة للشرق الأوسط مهمة صعبة؛ ولكنها ممكنة، عندما تتصدى لها دولة مثل المملكة التي وقفت بكل حزم أمام الطموحات غير المقبولة التي تسعى إلى حدوث تحولات في جغرافيا المنطقة، فالتحولات العالمية اليوم ليست كما كانت قبل عقود؛ اليوم نحن أمام فرضية تدفع المنطقة نحو الاعتماد على نفسها في حماية أمنها واستقرارها.. يبدو الفضاء السياسي للشرق الأوسط مستعدا لتغيرات جذرية تعيد ترتيب مسألة توازن القوى الإقليمية في الشرق الأوسط من جديد، فالدول الفاعلة في هذا المجال تسعى إلى إعادة هندسة المنطقة من أجل ترسيخ الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط، اعتماداً على بناء نموذج مختلف من التوازنات الجيوسياسية والاستراتيجية وبناء بيئة أمنية دائمة في واحدة من أكثر مناطق العالم أهمية، وتسعى الدول الفاعلة في المنطقة وعلى رأسها المملكة العربية السعودية للاستفادة من هذا التوقيت لبناء تحالفات إقليمية تفتح المجال أمام الفرص المناسبة لإعادة تنظيم المنطقة وفق قواعد القوى الطبيعية المتزنة وليس المصطنعة. خلال العقد الماضي مر الشرق الأوسط بالكثير من الأزمات وكانت ذروة تلك الأزمات أحداث السابع من أكتوبر والتي قامت من خلالها إسرائيل بالهجوم على قطاع غزة ونتج عن تلك الحرب قتل آلاف المدنيين بجانب الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران الذي وضع المنطقة في حالة حرجة فيما يخص استقرارها وقدرتها على مواجهة الأزمات التي أنتجت فرضية مهمة تعيد المنطقة إلى فكرة الاعتماد على نفسها كونها الطريقة الوحيدة التي يمكن من خلالها تعزيز الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط من جديد. المملكة العربية السعودية التي دعمت استقرار سوريا ودعمت استقرار السودان وليبيا واليمن هي تنظر إلى أمن الشرق الأوسط واستقراره من منطلق فكرة واضحة تقوم على أهمية ضمان هذا الاستقرار الذي لا يتحقق إلا من خلال العمل المباشر ضد التهديدات الفعلية التي تحيط بالمنطقة، وخاصة تلك التي يمكنها أن تؤدي إلى التشرذم الإقليمي والتداخلات والتطرف بشتى أنواعه، وهذا ما يتطلب تحقيق أقصى درجات التوازن والبرغماتية بين القوى الفاعلة. السعودية هي نقطة التوازن الأولى في الشرق الأوسط عربيا وإسلاميا، بغض النظر عن كل الفرضيات التي تحاول القفز على التاريخ والجغرافيا، فالسعودية أثبت التاريخ أنها نقطة ارتكاز النظام الإقليمي الذي يتمتع بثقة الجميع، فالرياض أثبتت التزامها التام تجاه الشرق الأوسط، هذا الالتزام مؤكد وصلب تجاه مؤثرات الاستقرار التي يمكنها التأثير على المنطقة ودولها، وهذا ما يثبت أنه بدون حرص مباشر من السعودية على المنطقة فإن الشرق الأوسط -وليس الخليج فقط- سيكون أمام نوافذ مغلقة وغير قابلة للفتح خاصة مع انتشار الأفكار التي تدعو إلى إعادة هندسة الجغرافيا عبر فكرة التفكيك والتجزئة للمنطقة، وللرد على هذه الأفكار صعدت المصداقية السعودية إلى المقدمة من أجل الحفاظ على المكتسبات التاريخية للمنطقة وغلق الأبواب أمام فكرة الاختراقات الاستراتيجية. حاجة سوريا واليمن والسودان والصومال وليبيا وكل بقعة في الشرق الأوسط إلى الاستقرار مهمة تدخل في الإطار الاستراتيجي لكل دول الشرق الأوسط الفاعلة، وأي اختلال أو فشل سياسي في هذه الدول هو مخاطرة كبيرة تنعكس على المنطقة بأكملها، والسعودية بحكم مكانتها أدركت بوضوح أن خارطة الأمن القومي للشرق الأوسط تتطلب الحماية والاستقرار بوسائل مختلفة وقرارات فاعلة، فالشرق الأوسط بقي لعقود طويلة في حالة معقدة وبحاجة دائمة للاستقرار السياسي، وهذا ما يفرض الأهمية السياسية لمنع المنطقة من أن تتحول إلى ممرات هشة للعبث السياسي وتهديد الاستقرار لمنطقة هي الأهم في العالم. بناء المسارات الصحيحة للشرق الأوسط مهمة صعبة؛ ولكنها ممكنة، عندما تتصدى لها دولة مثل المملكة العربية السعودية التي وقفت بكل حزم أمام الطموحات غير المقبولة التي تسعى إلى حدوث تحولات في جغرافيا المنطقة مما يجعل الشرق الأوسط في حال نجحت تلك الأفكار مجرد بقع متفرقة غير قادرة على الوقوف في وجه الأزمات التي تهدد الاستقرار في هذه المنطقة، فالتحولات العالمية اليوم ليست كما كانت قبل عقود؛ اليوم نحن أمام فرضية تدفع المنطقة نحو الاعتماد على نفسها في حماية أمنها واستقرارها.