في صمت الرمال، وبين تضاريس الصخر، وجنون التنوع تتحدث المملكة العربية السعودية بلغة التاريخ، وموطن الحضارات المتعاقبة، وشاهد حي على ولادة الإنسان، وتطور العمران، وتلاقي الثقافات. تسعى المملكة، من خلال رؤية 2030، إلى إعادة تعريف موقعها الحضاري عالميًا كأرض زاخرة بالإرث الإنساني، والمادي والطبيعي، وقد باشرت الجهات المختصة، كمنظومة الثقافة، في خطوات نوعية للحفاظ على الآثار، وتسجيلها في قائمة التراث العالمي (اليونسكو)، لتصبح هذه المواقع رواة لقصة وطن لم ينقطع عن التاريخ. حين يذكر البحرُ مدنه، يستدعي من ذاكرته الموانئ التي شكّلت جسورًا بين اليابسة والمجهول، وبين تلك الأسماء النائمة في السرديات القديمة، ينهض "ميناء الدفي" كندبة خلّفها الزمن على شاطئ الجبيل، وموضع ازدهار حضاري بين البحر والذاكرة يقع ميناء الدفي الأثري ضمن حدود مدينة الجبيل الصناعية، داخل الحرم الخاص بكلية الجبيل الصناعية التابعة للهيئة الملكية، ويبعد نحو 14 كم عن الجبيل البلد. يمتد السور المحيط بالموقع على مساحة تُقارب 60 ألف متر مربع، مقابل ساحل البحر مباشرة، ويصل ارتفاع تلاله الأثرية إلى 6 أمتار فوق مستوى البحر، بموقع يمثل صلة متينة بين الجزيرة العربية وامتداداتها التجارية والحضارية عبر مياه الخليج وما وراءه. ذاكرة الجرهاء ترتبط أهمية الموقع التاريخية بازدهاره خلال فترة مملكة الجرهاء، إحدى أقدم الكيانات التي سادت في شرقي الجزيرة العربية قبل الإسلام، ويُرجح أن الميناء يعود للقرن الثالث قبل الميلاد. ولأهميته، حظي بدراسات ميدانية أجراها فريق من 40 خبيرًا بالتعاون بين الهيئة العامة للسياحة والآثار (سابقًا)، والهيئة الملكية للجبيل، ومؤسسة التراث الخيرية، ليُعاد تأهيل الموقع كمتحف مفتوح ينبض بالحياة الأثرية. بين الحجر والهوية أظهرت التنقيبات عن مبانٍ مترابطة مشيّدة بحجارة مشذبة، ومونة صلبة مستخلصة من الجير، ووسطها طريق شرقي غربي يربط المباني، وتضم أحواضًا دائرية للتخزين. ما يميز هذا النمط هو الاعتماد على الحجر البحري (الفروش) في البناء، وربط الحجارة بالطين والجير. وقد كُشف عن سبع مجموعات معمارية متقاربة، يُظهر كل منها نظامًا سكنيًا متكاملًا، بفناء وغرفة أو غرفتين، ومواقد دائرية دقيقة التصميم. هذا النسق يُعبر عن تنظيم حضري سابق لعصره، ينبض ببصيرةٍ معمارية ترتكز على الوظيفة والانسجام. صدى الحياة اليومية روت آثار الدفي عبر مكتشفاتها حكايات الناس الذين سكنوا. فقد عُثر على مباخر، وأوانٍ فخارية، وعظام أسماك، ودمى طينية، وأدوات طبية وصيد، وقطع من الجص الأبيض، وبعض أدوات صناعة العطور والأدوية. فكل قطعة تحمل نبضًا من حياة أولئك القاطنين، الذين جمعوا بين صيد البحر، وصناعة الجمال، والعلاج. رفاهية الدفي اسم "الدفي" مشتق من الخليج الضحل، ويتسم الموقع بوجود تقسيمات سكنية شبه مكتملة تُظهر استمرارية الاستيطان مما قبل الإسلام إلى فترات إسلامية متأخرة. ويغلب على سطح الموقع كسر فخارية كثيفة وتلال أثرية متناثرة، وقد كشفت الحفريات عن قصر متقن البناء، وآثار من الحجر الصابوني والرخام، ما يدل على رفاهية نسبية وحضور تجاري وثقافي ممتد. معمار هيلينستي على الخليج واحدة من أعظم مفاجآت التنقيب كانت ظهور معالم عمارة هيلينستية نادرة على الساحل الشرقي، تمثّلت باستخدام الأقواس والأقبية الأسطوانية، والدعائم العريضة، والنوافذ الصغيرة، والأعمدة الرشيقة التي تزيّن الواجهات، ويتميّز هذا الطراز بواقعيته المعمارية، حيث استُخدمت المواد وفق طبيعتها دون تقليد للأشكال، ما يشير إلى نضجٍ حضاري وخصوصية فنية في البناء تنتمي إلى ألفي عام من تاريخ الإنسان على هذه الأرض. حكايات الموانئ ميناء الدفي هو شريان من شرايين الحضارة العربية المبكرة، وشاهد على التلاقي بين الجغرافيا والتاريخ. وكل حجر فيه هو شهادة على روح الاستيطان، وكل كسرة فخارية هي بقايا حلم، وكل قوس حجري يروي مجدًا بصمت، وفي الجبيل الحضرية لا يزال البحر يُحدّث الرمل عن زمنٍ كانت فيه الجرهاء تبحر نحو العالم من دوحة الدفي.