يُروى أن أعزّ أصدقاء جنكيز خان كان صقره المخلص؛ ذاك الصقر الذي كان يلازم ساعده في كل رحلاته، فيصطاد له ويشاركه زاده. وفي يومٍ خرج جنكيز إلى الخلاء منفردًا لا يصحبه إلا صقره، فطال بهما الطريق واشتد العطش. وبين الصخور لمح ينبوعًا عند سفح الجبل، فملأ كوبه ليشرب، وما إن رفعه إلى فمه حتى انقض الصقر عليه فسَكَب الماء! كرر الصقر فعلته مرة بعد مرة، فاستشاط جنكيز غضبًا، واستولى الغيظ على قلبه، فاستلّ سيفه. وما إن همّ الصقر بالاقتراب ليسكب الماء من جديد، حتى ضربه فقطع رأسه. وبينما كان الدم يسيل من جسد صديقه الوفي، شعر جنكيز بوخز الندم يمزّق قلبه. صعد إلى أعلى الينبوع ليتبصّر مصدر الماء، فإذا ببركةٍ كبيرة قد استقر في وسطها ثعبانٌ ضخم ميت، وقد لوّث الماء كله بالسمّ. عندها فقط أدرك سبب حرص صقره على منعه من الشرب... لكن إدراكه جاء بعد فوات الأوان؛ إذ غلبه الغضب، فأعمى بصيرته، فقتل من كان يحميه. الغضب أحد أشدّ المشاعر السلبية وطأة على الإنسان؛ شعورٌ عاصف يقود إلى انفعالات وسلوكيات لا تليق، ويُفقد الإنسان لياقته النفسية وهدوءه. فكم من صفعة تؤلمنا، وكم من إساءة توجعنا، ولكن التعبير الراقي عن المشاعر يبقى قيمة يفتقدها الكثيرون. فالغضب عاصفة هوجاء؛ إن اشتدت دمّرت ما حولها. وفي لحظات الغضب يصبح المرء مندفعًا، متهورًا، جريئًا على ما لم يكن ليجرؤ عليه في زمن الهدوء، فيقع في الندم وربما الحسرة على كلمة تفلتت، أو فعل طائش، أو قرار أهوج. بل قد يهدم في لحظة غضب ما بناه بسنوات طويلة. وليس الغضب في ذاته شرًّا مطلقًا، فهو شعور إنساني فطري يعتري جميع البشر دون استثناء. لكن الخطر الحقيقي يكمن في طريقة التعامل معه؛ فالعقل الواعي يحوّل الغضب إلى قوة، بينما العقل المنفعل يحوّله إلى نقمة. قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «أول الغضب جنون، وآخره ندم»، وكلاهما قادر على أن يجعل الإنسان أسيرًا للحظة لم يُحسن إدارتها. ولأن الغضب لحظة اختلال مؤقت، يحتاج الإنسان خلالها إلى مسافة قصيرة بين الشعور وردّ الفعل؛ مسافة تُسمّى: الحلم والاتزان وضبط النفس. فمن ملك هذه المسافة ملك نفسه، ومن ملك نفسه ملك حياته. وقد أثبتت الدراسات النفسية أن الغضب غير المنضبط يرفع ضغط الدم، ويضعف القدرة على اتخاذ القرار، ويُفسد العلاقات، ويزيد التوتر الذهني؛ بينما التحكم بالغضب يعزّز الذكاء العاطفي ويحفظ للإنسان مكانته وهيبته. وهنا يظهر جوهر الحديث النبوي الشريف: «ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب»؛ قوة لا تُقاس بالعضلات، بل بقدرة الإنسان على ضبط بوصلته الداخلية. وحين يتعلم الإنسان أن يواجه غضبه بدل أن ينقاد له، يصبح أكثر نضجًا، وأكثر قدرة على رؤية بواطن الأمور، وأكثر حفاظًا على ما بناه من علاقات وإنجازات. فاللحظة التي نتحكم فيها بأنفسنا هي التي تصنع الفرق بين الهدم والبناء.