تعتبر عمليات طرح وإدراج الشركات الجديدة في السوق المالية من الخطوات الحاسمة لنموها وتوسيع قاعدة مستثمريها، إلا أنه مؤخراً تنامت الظاهرة المتمثلة في وجود فجوة سعرية بين سعر تقييم السهم عند الطرح وسعر التداول الفعلي بعد الإدراج، وهو ما يشكل تحدياً جوهرياً للقيمة السوقية للشركات وثقة المستثمرين، ويثير تساؤلات بشأن طبيعة ودور الجهات الرقابية في الحد من المبالغة في التقييم والتلاعب السعري وتجعل الشركة المصدرة والمتعهدين بالتغطية مضطرين لتبرير السعر استناداً إلى بيانات مالية وتوقعات منطقية، تحد من ممارسات تضخيم السعر قبل الإدراج. تقييمات الشركات قبل الطرح تستند على تحليلات مالية واستشارات مهنية ويفترض أنها تأخذ بعين الاعتبار الأداء المالي والتوقعات المستقبلية، إلا أن هذه التقييمات كثيراً ما تحدد بأسعار مرتفعة، وتتجاوز الواقع الفعلي للسوق بعد البدء في التداول نتيجة ربما ضغوط تنافسية وتسويقية، أو نتيجة وهو الأرجح، توقعات مفرطة من بعض المستثمرين المهيمنين، مما ينجم عنه تراجع أسعار الأسهم بعد الإدراج بشكل ملحوظ، ويعكس تحكماً أقل في تحديد السعر الحقيقي للسهم، ويضع المساهمين في موقع مخاطرة مالية عالية، مما يقتضي بناء على سوابق متكررة توفير معالجات تنظيمية ناجعة وآليات قانونية فعالة تحمي حقوق المستثمرين الذين وضعوا ثقتهم في الجهات التي أجازت ذلك الطرح والإدراج. حيث تلعب الإجراءات التنظيمية دوراً قانونياً محورياً في معالجة هذه الظاهرة، ويفترض أن القوانين واللوائح النافذة كفيلة، من حيث الأصل، بتحقيق شفافية تقدير القيمة السوقية للسهم بإلزام الشركات والمستشارين الماليين بالكشف الكامل عن منهجيات التقييم المستخدمة، مع محاسبتهم على أي تضليل أو تضخيم للمعلومات المقدمة للمستثمرين؛ ومن جهة أخرى، يفترض أن تحقق العقود القانونية بين الشركة والمستشارين، وكذلك بين الشركة والمكتتبين ضمان وضوح الحقوق، فضلاً عن وجود آليات مراجعة وحماية للمستثمرين في حال ثبوت تضليل أو خطأ جسيم في التقييم، بما في ذلك عملياً المطالبة بالتعويض، أو إلغاء الطرح في حالات المخالفة لمبادئ الشفافية والمعايير القانونية؛ وهو ما يقتضي في كلا الحالتين أن تتصدى الجهة الرقابية بدور فعال في مراقبة عمليات الإدراج والطرح وتحديد آليات تقييم عادلة ومنصفة. وفي ضوء ما سبق، تظهر الحاجة لتبني إجراءات أكثر دقة وموضوعية في تقدير التكاليف وتقييم الأسعار، مع تحسين آليات الإفصاح والرقابة التنظيمية لضمان حماية المستثمرين وتعزيز ثقة السوق؛ كما تعد التوعية القانونية للمستثمرين خطوة ضرورية لتمكينهم من فهم التقييمات والمخاطر المصاحبة، واتخاذ قرارات استثمارية مبنية على معلومات دقيقة وموثوقة كإجراء أساسي لاحق يقتضي أعمال الدور الرقابي بفاعلية؛ ومن هذا المنطلق، فإن معالجة الفجوة السعرية تتطلب تضافر الجهود بين الجهات التنظيمية، والشركات، والمستشارين بإعمال الأطر القانونية لضمان حماية المستثمرين وتعزيز عدالة وشفافية السوق المالية؛ ولا يمنع الجهة الرقابية من العمل على تعزيز استخدام آلية النطاق السعري في الاكتتابات، أو فرض فترات تصحيح محدودة بعد الإدراج للحد من التسعير الأولي المنفلت ويضمن عدالة التقييم واستقرار السوق، بجانب إمكانية تفعيل الاستعانة بمستشارين إضافيين لتدقيق عمل المستشارين الأصليين ومستشاري المصدر عند ملاحظة وجود فجوة سعرية غير مدعومة بأساسيات الشركة، أو عند شكوك حول دقة ونزاهة المعلومات والتقييمات لا تنسجم مع طبيعة واقع الحال.