ليست قلعة الدوسرية بناءً حجريًا اعتلى جبلًا في جازان، بل فكرة صلبة عن الزمن حين يقرر أن يترك أثره مرئيًا. هناك، على القمة التي تتوسط المدينة، تقف القلعة كعين قديمة ما زالت تراقب المشهد، لا لتحكمه، بل لتفهمه. لم يبدأ تشييد القلعة من الحجر، بل من قرار الارتفاع. فاختيار القمة كان أول فعل دفاعي، وأول وعي بأهمية الرؤية. من هذا الموقع الإستراتيجي، أمكن الإشراف على المدينة وسهلها الساحلي ومداخلها، في زمن كانت فيه المراقبة المبكرة شرطًا للبقاء. بُنيت القلعة من الحجر المحلي المستخرج من الجبل ومحيطه، في انسجام كامل بين البناء والمكان. لم تكن مادة غريبة أُسقطت على الطبيعة، بل جزءًا منها، وكأن القلعة خرجت من صلب الجبل نفسه. اعتمد البناؤون على التراص الحجري، فوضعت الحجارة الأكبر في الأساسات لتثبيت البناء، ثم تدرجت الأحجام صعودًا، وربطت بالطين ومواد تقليدية، مشكلة جدرانًا سميكة قادرة على مقاومة الهجمات وتقلبات المناخ. جاء التشكيل المعماري بسيطًا، تغلب عليه الوظيفة لا الزخرفة. فالنوافذ ضيقة، والفتحات محدودة، صُممت للمراقبة أكثر من الإضاءة، في إدراك معماري مبكر أن الرؤية نصف النجاة، وأن الضيق أحيانًا يمنح أمانًا أكبر. أما المسارات الداخلية، فجاءت محسوبة لتسهيل السيطرة والحماية عند الحاجة. لم تكن قلعة الدوسرية مشروع فرد، بل بناء جماعيًا شارك فيه أبناء المكان، كل بما يملك من خبرة ومعرفة، في فعل يشبه الشراكة الصامتة بين الإنسان والطبيعة. ولهذا احتفظت القلعة بقوتها لأنها لم تبنى بالقوة وحدها، بل بالانتماء. ومع تعاقب الأزمنة، تغيرت وظيفة القلعة دون أن تفقد معناها. لم تعد تحرس المدينة من الغزو، بل تحرس ذاكرتها من النسيان. تقف اليوم معلمًا تراثيًا وسياحيًا، يختصر علاقة جازان بتاريخها، ويعيد تعريف المكان بوصفه ذاكرة حيّة لا مجرد أثر. قلعة الدوسرية تُعلمنا أن التاريخ ليس ما حدث فقط، بل ما بقي قابلًا للتأمل. وأن الارتفاع عن الأرض لا يعني الانفصال عنها، بل فهمها من مسافة أصدق. من أعلى الجبل، يبدُو الزمن أقل استعجالًا، وتبدُو جازان أكثر اتساعًا، كأن القلعة لم تُبنَ لتُرى، بل لِنرى من خلالها.