في وقت ليس بالبعيد، كانت الشخصيات العامة تفرض سياجاً حديدياً حول حياتها الخاصة؛ فلا أحدٌ يستطيع أن يصل إليها بسهولة. فكان الحصول على "رقم الجوال" حينها امتيازاً نادراً لا يُمنح إلا لدائرة ضيقة جداً، حمايةً من إزعاج الغرباء وتطفل العابرين. لكن اليوم، بعد عصر الانكشاف الرقمي أحدثت الوسائط الاجتماعية زلزالاً قوياً حطم هذا الحائط تماماً، و قد سلبت الناس حقهم الفطري المشروع في "الخصوصية". لقد جعلت الرسائل المباشرة المليئة بالمتطفلين تصل إلى عمق الحياة اليومية للمشهورين رين وللشخصيات الاعتبارية دون استئذان، محولةً المساحة الخاصة إلى ساحة عامة مستباحة من الجميع . لم يتوقف الأمر عند هذا الاختراق للخصوصية وحسب ، بل تحول هذا القرب الرقمي القسري إلى ساحة مفتوحة لتفريغ الإحباطات الشخصية؛ حيث يجد الكثيرون في "فراغ السوشيال ميديا" فرصة للتنفيس عن النفس و عن عقد حياتهم اليومية عبر توجيه الشتائم للمشاهير المفارقة هنا، هي المطالبة المستمرة لهؤلاء الشخصيات بضبط انفعالاتهم ومقابلة الإساءة ببرود تام، وكأنهم جُردوا من صفتهم البشرية ومن حقهم الفطري في الانزعاج." يجب آن نتأمل الأتي: كيف تحول "الرقم الخاص" إلى "رسالة مباشرة" متاحة للجميع؟ ولماذا ننتظر من المشهور صبراً لا نطيقه نحن كبشر؟ هل أصبحت منصات التواصل أداة لإسقاط العقد النفسية بدلاً من الحوار؟ بدون شك أن خلف الشاشة، يشعر المستخدم بنوع من التخفي. هذا الشعور يحرره من القيود الاجتماعية والأخلاقية التي يلتزم بها في الواقع (وجهًا لوجه). لذا، يخرج "الأنا السفلي" أو الدوافع العدوانية التي كان يكبتها في حياته اليومية، ويصبها على أول شخصية عامة تظهر أمامه. اننا ياسادة أمام معركة وجودية لا تُخاض بالسلاح، بل بالشاشة. المجتمع يخوض معركة يومية في الحفاظ على ما بقي من العقل في عصر يغمره الصخب الرقمي، والرسائل المبطّنة، والمحتوى الذي يبيعنا وهمًا... ونحن نشتريه بأرواحنا. هذه الظاهرة قد يكون لها تأثير على المجتمع والهوية.