يتبادر إلى ذهني سؤال.. إذا كانت العرب قديمًا قد عرَفت اللونين الأحمر والأصفر، فبأيِّهما كانت ستصف ما نُسميه اليوم برتقاليًّا؟ وبشكلٍ أدق، ما هي تسميات الألوان وفق معيار (CIE) التي سيطلقونها في ذلك الزمن على درجات اللون بين الطول الموجي 750 نانومتر (الأحمر) والطول الموجي 570 نانومتر (الأصفر)؟ إنّ محاولة الإنسان القبض على معنًى تُشبه محاولته القبض على لونٍ يتغيّر تحت طائل الضوء. فالمعنى مثل اللون ليس حقيقة صلبة بقدر ما هو تماهٍ، ومن هنا تأتي المفارقة! فنحن نريد للمعاني أن تكون قوالب مُحكمة بينما طبيعتها أقرب إلى السوائل تتشكّل بقدر ما نلمسها، وتنساب بقدر ما نظنّ أننا نُمسِك بها. وفي عالمٍ يغلِب عليه الطابعُ الرقمي لم تعد تجربتنا مع اللون نقيّةً كما كانت. فقد حوصرت الألوان اللامتناهية داخل سجون رقمية من «البِّتَّات» و»البكسلات». حيث أضحت هذه العملية فعل فلسفة يُقوِّض سيولة المعنى ويُثير أسئلة جوهرية حول علاقتنا بالواقع والفن والذات. إنّ تكميم الألوان ليس مجرّد استعارة بصرية؛ بل تعبير عن رغبة الإنسان العميقة في تحويل السيَّال إلى ثابت. فاللون في أصله طيفٌ يتبدّل باختلاف الزوايا والسطوح. لكنّ العقل البشري عند استبطان حاجته للأمان لا يرى في هذا التنوّع سِلمًا، وإنّما تهديد. فيُسمّي الأزرق أزرقَ، والأخضر أخضرَ، لا لأنّهما كيانان منفصلان، بل لأنّ تحييد سيولتهما يمنحنا شعورًا بالدفء والتملّك. إنّه أمرٌ يُشبه رغبةً في تجميد الوجود وفق أمزجتنا. بل وحتّى ذاكرتنا البصرية نفسها تتشكّل تدريجيًّا عندما نحبسها في صورة مُكمّمة بكاميراتنا، فنتذكّر غروب الشمس ليس كما كان في الواقع، بل كما التقطته الكاميرا بعد معالجتها تلقائيًا. والعجيب أنّ ما يحدث في عالم اللون يحدث مثله في عالم الفكر؛ إذ يعتقد الإنسان أنّه حين يُطلق على الأفكار اسمًا، أو يُصنّفها في باب، أو يربطها بمذهب، فإنّه بذلك يُحدِّدها. غير أنّ الفكرة متى ما سُمّيتْ تبدأ بالابتعاد، فتصبحَ كائنًا مُستقِلًا لها لُزوجتها وانزلاقاتها وقدرتها على التلوّن في عقول الآخرين. إذ إنّ المعنى لا يتموضع كما هو بمجرد تسليمه، بل يُعاد تكوينه في كلِّ عقلٍ يلج إليه بطريقته الخاصة. وهنا تظهر سيولة المعنى جليّةً، فالمعنى يعيش في حركة دائبة بين فم المتكلِّم وأذن السامع، وبين ذاكرة القارئ وأسلوب الكاتب، وبين الثقافة التي تحتضنه والمِخيَال الذي يتوسّع به. ولذا فإنّ كلَّ محاولة لتحويله إلى شيء موزون أو مقاس قابل للتعريف تُشبه محاولة وزن ضوء الغروب في ميزانٍ من حديد. وما يزيد هذه المفارقة حدّة هو أنّ الإنسان بطبيعته اللغوية يظن أنّ اللغة وسيطٌ محايد. لكنّها ليست كذلك؛ حيث إنّها تكسو أفكارنا بطبقات من الدلالة، وبعضها نعرفه لكنّ أكثرها يتوارى في بنية الكلام وخلفيات الثقافة. فاللغة لا تكتفي بنقل المعنى بقدر ما تُعيد تشكيله عبر حُمولات ثقافية وأيديولوجية وعبر افتراضات مُسبَقة. لذا يُلمِح رولان بارت إلى مشكلة درجة الصفر للكتابة بأنّ الكلمة لا تحمل معنى واحدًا، بل هي غيمة من الدلالات تتغيّر وفق المتلقي وظرف القراءة وطبقات الوعي. من هنا يُمكنني الاشتباكُ مع سؤال: فهل المشكلة في سيولة المعنى أم في رغبتنا المحمومةِ في تكميمه؟ ربما المشكلة ليست في المعنى إطلاقًا؛ فهو كما الماء يؤدّي وظيفته في الانسياب. أمّا نحن فنملك نزعةً في أن نُقطِّعه إلى مُكعّبات لنتعامل معه بسهولة. ونريد للغموض أن يختفي وللتأويل أن يستقرَّ وللمعرفة أن تُصبح رقمًا. غير أنّ أسوأ ما في تكميمه أنَّه يخلق وهمًا باليقين، فنظنّ أنّنا نعرف لأنّنا سمَّينا، ونظن أنّنا فهمنا لأننا صنّفنا. بينما الحقيقة أنّ الفهم ذاتَه ليس إلا لحظة وعي بأنّ الأشياء لا تُدرك كاملة وإنّما تُقارَب، وتُرى مرَّةً بلونٍ ومرَّةً بآخر. يلفتُ انتباهي هيغل بقوله: «الحقيقةُ كُلٌّ مُتحرِّكٌ يتبدَّى في صورٍ مختلفة». وهذه الحركة الهيغلية لا تَلحَق بالأفكار وحدها، بل بالمُدركات الحسّيّة أيضًا. فاللون بحسب غوته في كتابه (نظرية الألوان) ليس ثابتًا في الخارج، بل حدثٌ بصريٌّ يتولَّد من تفاعل العين مع الضوء، لذلك فإنّ محاولة تكميمه ليست إلا شكلاً من أشكال مُقاومة العقل للطبيعة. فبعض المعاني لا تُفهم إلا عندما نسمح لها بالانزلاق خارج حدودنا ونكفّ عن محاولة لملمتِها. أليست ألوان البحر تبدو أجمل ما يكون حين نتركها تتحرّك أمامنا عِوضًا عن تطويقها في إطارٍ أو صبغة؟ غير أنّنا نعيش في عالم وسيط؛ حيث تُترجَم التجارب التناظرية إلى بيانات رقمية، فنخسر شيئًا من نُعومة الواقع، لكنّنا نكسب في المقابل قدرةً هائلةً على إعادة تشكيل المعنى. والتحدّي الأكبر يكمن في كيفيَّة التوفيق بين عالَمين؛ إذ كيف يُمكننا أن نتبنّى قوّة ومرونة في آنٍ معًا دون أن نفقد تمام الاتصال بالعمق والسيولة؟ وفي النهاية فقد يكون أجمل الألوان هو ذلك اللون الذي مازال مُقاومًا للتكميم ببساطته، ومُحتفظًا بقدرٍ من الغموض في اللايقين به.