تُعد الضيافة العربية في التصميم الداخلي لمجلس الضيافة انعكاس لجوهر ثقافي يرى في الضيف نعمة، وفي المكان علامة احترام، فكل بيت عربي يبقى، بشكل أو بآخر، مساحة حميمية يلتقي فيها الجمال بالأصالة والكرم بالهوية وحين يدخل الضيف بيتا عربيا، يُستقبل بعبارة تتجاوز الجلوس إلى الاحتفاء: "تفضل، نورت المكان"، وكأن البيت لا يكتمل إلا بحضوره. ومن هنا يصبح التصميم الداخلي امتدادا لهذه الروح، معنى يتجاوز الشكل إلى عمق الشعور فالمجلس، تلك الغرفة المخصّصة لاستقبال الزائرين، يمنح الضيف مكانا لائقا به ويعكس تقدير العائلة له، وتجتمع فيه الجلسات الأرضية مع الأرائك الفخمة، في مزج يربط البساطة بالرقي ويجعل الجلوس تجربة تجمع الراحة بالذوق، أما المساحات المحيطة فتُترك رحبة، تنفتح أمام الزائر بدفء بصري يشعره بالترحيب، ويمنحه انطباع بأن المكان احتضنه قبل الكلمات، والمجلس في البيوت العربية ليس تفصيلا معماريا فحسب إنما جزء من الهوية، ومساحة تحفظ إرث الكرم مهما تغيرت ملامح الزمن، كأنه ذاكرة مفتوحة تستقبل الزائرين بلغة المكان والحضور والقلب، وفي التفاصيل يكتمل المشهد: مجلس بوقار وأناقة، جلوس أرضي أو أرائك فاخرة تجمع بين الأصالة والرقي، ومساحة واسعة تتيح الحديث والحركة وتمنح الزائر إحساس بالطمأنينة منذ اللحظة الأولى، فالمجلس وجه البيت، وصوت العائلة، وصورة الكرم الممتد عبر الأجيال، يحمل قيمة الناس الذين يسكنونه قبل قيمة الأثاث الذي يزيّنه، ومع تغيّر مساحات السكن وتنوّع ذائقة الجيل الجديد، لم تعد الضيافة مرتبطة بغرفة واحدة كما كانت لقد امتد حضورها إلى زوايا متعددة داخل المنزل، لتصبح حالة معيشة مع وجود ركن ضيافة داخل غرفة المعيشة يشارك تفاصيل اليوم بلا تكلف، جلسات خارجية على الفناء أو الشرفة تمنح الضيف حميمية المكان وهو يتنفس الهواء، ومساحة صغيرة قرب المدخل تكفي كي يشعر القادم بأنه مُرحب به منذ اللحظة الأولى، كما أصبح ركن الشاي أو القهوة مساحة حوار خفيف، من دون بروتوكول أو دعوة رسمية. وهكذا تحوّل الكرم من مناسبة إلى أسلوب حياة، ومن عادة مرتبطة بزيارة، إلى حضور يومي يتوزّع في أرجاء البيت، يعيش فيه الأهل والضيف الإحساس ذاته دون انتظار لحظة معينة؟ وفي هذا الامتداد الجمالي، وُلدت لغة تصميم جديدة مزجت بين القديم والحديث: خشب يتناغم مع الرخام، نقوش عربية تعانق أقمشة معاصرة، روح تراثية تعبّر عن الامتداد، وأناقة حديثة، ومع تطوّر المدن وتغير مقاييس الحياة العصرية، لم يفقد المجلس حضوره، بل أعاد تشكيل ذاته ليلائم المساحات الجديدة والذائقة الجديدة، دون أن يخلع جذوره فالمجلس اليوم قد يكون بملامح عصرية، بإضاءة حديثة وأثاث مرن وألوان مختصرة، ولكنه يحمل الروح نفسها: رحابة تستقبل الإنسان قبل عينيه، ومسافة شعورية واسعة تتيح للحديث أن ينطلق بلا تكلّف، وللألفة أن تنمو بهدوء فقد تغيّر الشكل، وتبدّلت الخامات، لكن المعنى ظل المجلس العربي ذاكرة المكان وأناقة التفاصيل.