شراكة تصوغ اقتصاد القرن الحادي والعشرين قبل عقدين فقط، كانت العلاقة بين السعودية والصين تختصر في جدول صادرات النفط وواردات السلع. اليوم، تحولت إلى شبكة متداخلة من المصالح تمتد من حقول الجبيل إلى مختبرات شينزين، ومن صفقات الطاقة إلى مشاريع الذكاء الاصطناعي. لم تعد بكين مجرد مشترٍ للنفط، ولا الرياض مجرّد مزوّد للطاقة، بل أصبح الطرفان يسعيان لتأسيس معادلة جديدة بين «النفط والرقائق»، بين موارد الأرض وقوة المعرفة، في توازن يعكس التحولات التي يشهدها العالم نحو الشرق وإلى الداخل السعودي في آنٍ واحد. تبدأ القصة من الطاقة. فالصين التي تعتمد على استيراد أكثر من سبعين في المئة من احتياجاتها النفطية، وجدت في السعودية شريكًا موثوقًا يضمن لها الإمدادات المستقرة في زمن الاضطراب العالمي. والسعودية من جهتها، أدركت أن الأسواق الآسيوية هي المستقبل الحقيقي للطاقة، فحوّلت بوصلتها شرقًا ووسعت حضورها في الصين والهند وكوريا. وعلى مدى الأعوام الأخيرة أصبحت الصين المستورد الأول للنفط السعودي، فيما أصبحت المملكة المورد الأكبر للصين على حساب روسيا وإيران. لكن العلاقة تجاوزت حدود البرميل لتدخل مرحلة الشراكة الصناعية، إذ بدأت شركات البلدين في إنشاء مجمعات تكرير مشتركة في الصين والسعودية، وفتح قنوات لتبادل الخبرات في مجالات الغاز والبتروكيماويات والطاقة النظيفة. طاقة العقول والتقنية هذه الشراكة في الطاقة فتحت الباب لعصر جديد من التعاون في التكنولوجيا. فالسعودية التي تسعى إلى أن تكون مركزًا للتصنيع المتقدم ضمن رؤية 2030، ترى في الصين شريكًا مثاليًا لنقل الخبرات في الإلكترونيات والرقائق الدقيقة والتقنيات الذكية. وعلى الرغم من أن تصنيع الرقائق يعد من أكثر الصناعات تعقيدًا في العالم، فإن المملكة بدأت تخطو نحوها من خلال شراكات بحثية واستثمارية لتوطين التكنولوجيا وتعزيز قدرات البحث والتطوير. ويشير الأمير عبدالعزيز بن سلمان إلى أن «مرحلة ما بعد النفط بالنسبة للسعودية لن تكون خروجًا من الطاقة بل دخولًا في طاقة جديدة: طاقة العقول والتقنية»، وهي إشارة رمزية إلى أن النفط لم يعد وحده عماد العلاقة مع الصين، بل صار جزءًا من منظومة أوسع تشمل الابتكار والمعرفة الصناعية. رؤية وحزام وطريق ومع انطلاق «رؤية السعودية 2030»، أدركت بكين أن التحول الاقتصادي الذي تقوده المملكة هو فرصة نادرة لإعادة صياغة حضورها في الشرق الأوسط. فالصين التي أطلقت مبادرتها الكبرى «الحزام والطريق» عام 2013، تسعى إلى ربط القارات بشبكة من الموانئ والطرق والممرات التجارية تموّلها وتديرها شركاتها العملاقة. والسعودية تقع في القلب الجغرافي لتلك المبادرة، بين آسيا وإفريقيا وأوروبا، مما جعلها مركزًا محوريًا في المخطط الصيني. في المقابل، وجدت الرياض في بكين شريكًا جاهزًا للمساهمة في تحقيق أهداف الرؤية الطموحة من خلال التمويل والخبرة الصناعية والتقنية. حين زار الرئيس الصيني شي جين بينغ الرياض عام 2022، لم تكن الزيارة بروتوكولية. كانت إعلانًا رسميًا عن دخول العلاقة مرحلة الشراكة الاستراتيجية الشاملة. وُقعت أكثر من ثلاثين اتفاقية في مجالات الطاقة والاتصالات والنقل والبنية التحتية، وأعلنت الحكومتان عزمهما على رفع مستوى الاستثمارات المتبادلة إلى عشرات المليارات خلال العقد القادم. يقول وزير الاستثمار المهندس خالد الفالح إن «الصين ليست مجرد شريك اقتصادي للسعودية، بل أحد الأعمدة الرئيسة في بناء اقتصاد ما بعد النفط». وتدل الأرقام المتزايدة على أن حجم التبادل التجاري والاستثماري بين البلدين تضاعف خمس مرات منذ عام 2016، مع دخول قطاعات جديدة لم تكن مطروقة من قبل مثل الطاقة المتجددة وصناعة السيارات الكهربائية والتقنيات الرقمية. تحديات التنفيذ غير أن الطموح لا يخلو من عقبات. فالتباين في الأنظمة والقوانين، وتعدد الجهات التنظيمية، وتباطؤ بعض الإجراءات البيروقراطية في البلدين، جعل تنفيذ بعض الاتفاقيات أبطأ من المتوقع. كما أن الحساسية السياسية المرتبطة بالتوازن بين الشرق والغرب تجعل الرياض تمضي بحذر في تعميق تحالفها الاقتصادي مع بكين، حفاظًا على علاقاتها التاريخية مع الولاياتالمتحدة وأوروبا. ومع ذلك، تؤكد المؤشرات أن التعاون يتوسع بثبات، وأن الشراكة الاقتصادية بين الطرفين تتقدم رغم كل المعوقات، مدفوعة بالمصالح المتبادلة والإرادة السياسية القوية. جسور اقتصادية متبادلة أما على صعيد التبادل التجاري، فقد تجاوزت قيمته مئة مليار دولار سنويًا، لتصبح الصين الشريك التجاري الأول للمملكة. ومع أن النفط لا يزال المكوّن الرئيس في الميزان التجاري، إلا أن التركيبة بدأت تتغير مع اتساع قاعدة التجارة إلى مجالات التقنية والابتكار والمعادن الخضراء. فالسعودية التي أعلنت خططًا طموحة لتصبح من أكبر منتجي المعادن الاستراتيجية في العالم، تسعى إلى استقطاب الاستثمارات الصينية في استخراج ومعالجة الليثيوم والنحاس والنيكل، وهي المعادن التي تمثل عصب الصناعات الحديثة، من البطاريات إلى السيارات الكهربائية. في المقابل، بدأت الشركات الصينية في التوسع داخل السوق السعودية بمجالات الطاقة الشمسية والمركبات الكهربائية والمعدات الثقيلة، مما جعل العلاقة التجارية تتخذ طابعًا متبادلاً أكثر من ذي قبل. ولا تقتصر حركة الشراكة على التجارة والاستثمار فحسب، بل تمتد إلى التعاون المؤسسي بين الشركات الكبرى. فشركة «سابك» السعودية تُدير اليوم مجمعات بتروكيماويات في الصين، وتملك مراكز أبحاث في بكين وشنغهاي، بينما توسعت «أرامكو» في مشاريع تكرير مشتركة مع شركات صينية عملاقة في مقاطعات فوجيان ولونغيان. وفي الاتجاه المعاكس، دخلت شركات صينية مثل «هواوي» و«زد تي إي» بقوة إلى السوق السعودية، وأسهمت في بناء شبكات الجيل الخامس وأنظمة المدن الذكية، بل أصبحت بعض حلولها الرقمية جزءًا من البنية التحتية لمشروعات «نيوم» و«ذا لاين». هذه الحركة المتبادلة بين عمالقة الاقتصاد في البلدين تعكس تحوّل الشراكة من نطاق الحكومات إلى القطاع الخاص، ومن مجالات الطاقة التقليدية إلى الاقتصاد المعرفي والرقمي. مرونة استراتيجية حتى في القطاعات الحساسة مثل الصناعات العسكرية والتقنية الدفاعية، شهدت العلاقة انفتاحًا محسوبًا. فقد وقّعت السعودية اتفاقات مع شركات صينية لتوريد طائرات مسيّرة متطورة من طراز «CH-4» و«Wing Loong»، مع خطط لتوطين جزء من عمليات الصيانة والتصنيع. ويرى محللون أن هذا التعاون يمنح الرياض مرونة استراتيجية في تنويع مصادر تسليحها، كما يتيح لها الاستفادة من التقدم الصيني في الذكاء الاصطناعي والأنظمة غير المأهولة. وفي المقابل، تجد الصين في السعودية شريكًا موثوقًا يمكن أن يفتح لها نافذة إلى أسواق المنطقة ويمنحها موطئ قدم في أحد أهم المراكز الدفاعية في الشرق الأوسط. السيادة الاقتصادية لا التبعية المشاريع العملاقة التي تُنفذها السعودية اليوم تحت مظلة رؤية 2030 تمثل وجهًا آخر لهذه العلاقة المتسعة. فمشروع «نيوم» وحده يجمع استثمارات وشركات من أكثر من ثلاثين دولة، بينها عدد كبير من الشركات الصينية التي تتولى بناء الجسور والأنفاق ومحطات الطاقة ومراكز البيانات. كما تشارك شركات صينية في مشروع «القدية» الترفيهي العملاق من خلال عقود تصميم وتنفيذ أنظمة ذكية للمواصلات والبنية التحتية. ومع ذلك، تحرص السعودية على أن تبقى القيادة والإدارة النهائية لهذه المشاريع بيدها، واضعة معايير صارمة للجودة والتوطين والاستدامة، في تأكيد على أن الشراكة مع الصين تأتي ضمن إطار السيادة الاقتصادية لا التبعية. إن ما يميز العلاقة السعودية-الصينية اليوم هو هذا التوازن الدقيق بين الانفتاح والحذر، وبين الحاجة إلى الشريك وبين الحفاظ على الاستقلال. فالسعودية التي تبني اقتصادًا متنوعًا وقائمًا على الابتكار، لا تبحث عن بدائل سياسية بقدر ما تسعى إلى بناء جسور اقتصادية جديدة. أما الصين، فهي تدرك أن نجاحها في الشرق الأوسط يمر عبر بوابة الرياض، الدولة التي تمتلك القوة المالية والموقع الجغرافي والتأثير الإقليمي الذي يجعلها حجر الزاوية في أي مشروع اقتصادي عالمي. قصة نجاح في عالم الاقتصاد ورغم أن التحديات باقية، من بطء التنفيذ إلى اختلاف القوانين والمعايير، إلا أن الاتجاه العام واضح: شراكة تتسع في كل عام وتشمل قطاعات جديدة من الاقتصاد والطاقة إلى التقنية والبنية التحتية، ومن التجارة التقليدية إلى الاقتصاد الأخضر. ومع استمرار اللقاءات المتبادلة والمنتديات الاستثمارية التي تُعقد بانتظام، تبدو العلاقة السعودية-الصينية مرشحة لتكون إحدى قصص النجاح البارزة في عالم الاقتصاد الحديث. لقد تحولت الرياضوبكين إلى ركيزتين متكاملتين في معادلة القرن الحادي والعشرين. الأولى تملك الموارد والرؤية والطموح، والثانية تملك التقنية والخبرة والكثافة الصناعية. وبينهما تُكتب فصول جديدة من التعاون الذي يعيد رسم خريطة العالم الاقتصادية، حيث يمتزج نفط الصحراء برقائق السيليكون، وتلتقي الطاقة بالذكاء الاصطناعي، وتفتح شراكة الشرقين طريقًا واسعًا نحو مستقبل تتقاسم فيه الدولتان موقع القيادة في الاقتصاد العالمي الآتي.