هدوء حذر شهدته جبهات القتال في اليمن عام 2022، بسبب الهدنة التي نجحت الأممالمتحدة في الوصول إليها مرتين لوقف نزيف الدم واتخاذ تدابير تهدف إلى التخفيف من الظروف المعيشية الصعبة للسكان، ولكن مشروع التهدئة لم يرق لميليشيات الحوثي التي رفضت تمديدها، كونها تعشق الدماء والحرب، مما أدى لاستمرار أكبر أزمة إنسانية في العالم في اليمن، بحسب توصيف أصدرته الأممالمتحدة بسبب تعنت الحوثي وعدم جديته في تحقيق الأمن والسلام في اليمن وفق المرجعيات الشرعية. وشملت الهدنة السماح برحلات تجارية من مطار صنعاء الدولي الذي كان يستقبل فقط طائرات المساعدات منذ 2016، ما مثل بارقة أمل نادرة بعد حرب الحوثي، ألا أن الميليشيات المدعومة من إيران تعنتت كعادتها، ورفضت الاتجاه نحو السلم. واستمر مرتزقة الحوثي في الخفاء والعلن في بث الفكر الطائفي في المجتمع اليمني. ولم تترك الميليشيات الحوثية أي مؤسسة أو قطاع إلا وحولته إلى وسيلة لنشر أفكارها وطقوسها ذات المنزع الطائفي، حيث انتهجت في سبيل ذلك كل أساليب القمع لإرغام اليمنيين من مختلف الفئات والأعمار على اعتناق تلك الطقوس الطائفية الدخيلة على المجتمع اليمني العربي الأصيل، بغية مسخ هويتهم وتسخيرهم لتنفيذ الأجندة الإيرانية القميئة. وفي أحد التقارير حول تكريس الحوثي للفكر الطائفي، أطلق مركز أوروبي تحذيرات من استمرار الميليشيات الحوثية في تعميق ما سمّاه «الانقسامات الطائفية والمناطقية» بمختلف المناطق وفرضها طقوساً مستوردة من نظام طهران. ويرى التقرير أن دائرة مخاطر الجماعة الحوثية تتسع مذهبياً، مع استمرار جهودها لبث الطائفية التي توسعت بشكل كبير منذ سيطرتهم على العاصمة اليمنية صنعاء والمناطق الأكثر اكتظاظاً بالسكان في 2014 - 2015. وبحسب المركز، فإن التغييرات التي أجرتها الجماعة في المناهج المدرسية وإدخال «المخيمات الصيفية» - ظاهرياً لأغراض تعليمية دينية - هي الآلية الرئيسة التي تستخدمها لغرض تجنيد المتطوعين في قواتهم العسكرية، بمن فيهم من هم دون سن 18 عاماً. التحذيرات الأوروبية جاءت بالتوازي مع اتهامات للميليشيات وجهتها تقارير صادرة من منظمات محلية؛ حيث أشارت إلى أن الجماعة أمعنت طيلة الأشهر والسنوات المنصرمة في استغلال دور العبادة وتحويلها إلى أداة لبث الطائفية والتحريض على القتل والتعبئة والتحشيد إلى جبهاتها، بارتكابها أزيد من 3 آلاف انتهاك ضد المساجد بمختلف المناطق اليمنية خلال ال8 سنوات الماضية. وبحسب ما أورده تقرير حقوقي حديث صادر عن الشبكة اليمنية للحقوق والحريات تم توثيق نحو 3 آلاف و370 انتهاكاً طالت مساجد ودور عبادة في 14 محافظة يمنية، ارتكبتها الميليشيات الحوثية خلال الفترة من 1 يناير 2015 وحتى 30 أبريل 2022 والعدد تضاعف مع نهاية 2022 ودعت الشبكة المجتمع الدولي والأممالمتحدة والمبعوثين الأممي والأميركي ومنظمات وهيئات حقوق الإنسان، إلى تحمل المسؤولية في إيقاف هذه الجرائم والعمل على إدراج الجماعة الانقلابية في قوائم الإرهاب الدولية، وملاحقة ومحاكمة قياداتها في المحاكم الدولية باعتبارهم مجرمي حرب. الميليشيا تبث الفكر الطائفي وترفض التسويات ومع مواصلة الميليشيات الحوثية ومحاولات عناصرها المتكررة فرض أفكارهم الطائفية الضيقة حذرت الحكومة من تسخير مؤسسات ومقدرات الدولة المغتصبة في العاصمة صنعاء والخزينة العامة والإيرادات المنهوبة في المناطق الخاضعة لسيطرة الميليشيات للأغراض المذهبية، بالإضافة إلى تسخير المساعدات الإنسانية المقدمة من المنظمات الدولية، لصالح التعبئة الفكرية والحشد لإقامة المناسبات الطائفية، دون أي اكتراث بالأوضاع الإنسانية المتردية. وجدد وزير الإعلام معمر الإرياني تحذيراته من مساعي الجماعة لتكريس مشروعها الطائفي وفرض أفكارها وطقوسها الدخيلة على اليمنيين بقوة السلاح، واستغلال حالة الفقر والجوع التي كرستها عبر سياساتها الممنهجة، لتغيير هوية الدولة والمجتمع وتحويلها إلى قاعدة لتصدير الفوضى والإرهاب للمنطقة والعالم. ولفت الإرياني إلى إنفاق الميليشيات في كل عام مليارات الريالات من أموال الشعب المنهوبة لإقامة طقوس طائفية مستوردة من إيران، فيما يتضور اليمنيون جوعاً وفقراً ودأبت الميليشيات الحوثية منذ انقلابها وإشعالها فتيل الحرب على فرض أفكارها الطائفية بشكل أحادي وإجباري على المجتمع اليمني من خلال إصرارها على إقامة فعالياتها الطائفية في ظل الرفض المجتمعي لها مع تعمدها تأجيج وإذكاء النزاع والخلاف والتمييز الطائفي. وتتصاعد التحذيرات المحلية والدولية من تبعات الممارسات الطائفية التي تنتهجها الجماعة الحوثية بصورة مستمرة ومن مخاطرها على النسيج الاجتماعي والسلم الأهلي وقيم التنوع والتعايش التي امتاز بها اليمن على مدى العقود الماضية. وبات جلياً أن مليشيات الحوثي لا تنوي إنهاء الحرب أنهكت كاهل الشعب اليمني الفقير أساسا، وتتضح ملامح امتداداتها نحو الإقليم والمنطقة. وعلاوة على المأساة الإنسانية التي ألحقتها باليمنيين، إلا أن الحرب قد ألقت بظلالها على الإقليم والمنطقة بشكل جلي ومباشر خصوصا وقد أضحت القضية اليمنية قضية إقليمية ودولية بامتياز، لعب العامل الخارجي فيها دوراً رئيساً ومحركاً فعليا لأحداثها التي خلقت ارتدادات على الفاعلين الدوليين وهو ما يضعف فرص السلام التي لم تفلح كل الجهود للدولية لإحداث اختراق جوهري فيها، خصوصا واليمن تقع تحت الفصل السابع لميثاق الأممالمتحدة. نحو ثلاثة آلاف انتهاك حوثي طالت مساجد ودور عبادة في اليمن إن الأحداث الجارية اليوم في اليمن تستدعي من القوى الفاعلة إقليميا الحذر واستدراك مكامن الخطرة لأحداث اليمن ارتدادات كبيرة على المحيط الإقليمي والمنطقة تمت بناءا على مخططات دولية وإقليمية باتت مكشوفة وواضحة الأمر. من جهتها سخرت المملكة جهودها لدعم الشعب اليمني، وواصلت قوافل الإغاثة السعودية توزيع المساعدات لجميع المحافظات اليمنية دون تمييز، بما فيها المحافظات التي ترزح تحت سيطرة الحوثيين، وواصلت العيادات الطبية التابعة للمركز تقديم خدماتها العلاجية للمستفيدين، في إطار الجهود التي تقدمها المملكة من خلال مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية لكل أبناء الشعب اليمني. وتجاوزت المساعدات السعودية لليمن حاجز ال18 مليارا منها 3.5 مليارا دولار قُدمت عبر مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية، حسبما أوضح الدكتور عبدالله الربيعة المستشار بالديوان الملكي المشرف العام على المركز.. وكانت المملكة على مدار سنوات عديدة أكبر دولة مانحة لليمن، حيث قدمت خلال السنوات الست الماضية ما يزيد على 18 مليار دولار أمريكي، وفقا لمنصة التتبع المالي التابعة للأمم المتحدة فقد قدمت المملكة خلال العام الجاري فقط أكثر من 848 مليون دولار أمريكي دعما لليمن. لقد عبث الحوثي بمقدرات الشعب اليمني وكشفت منظمة دولية بأن اليمن تأتي في المرتبة الخامسة في قائمة البلدان ال20 الأكثر عرضة لتدهور الأزمات الإنسانية على مستوى العالم، خلال العام القادم 2023، جراء الانهيار الاقتصادي وارتفاع مستوى انعدام الأمن الغذائي الناجم عن الصراع الذي أذكاه الحوثي منذ نحو 8 سنوات في البلاد. وواجه الشعب اليمني على مدى العقود الماضية أزمات إنسانية كبيرة تفاقمت حدتها بسبب الصراعات المندلعة في البلاد، مبينا أنه بالرغم من أن الدول المانحة قدمت خلال السنوات الست الماضية مليارات الدولارات للتخفيف من آثار الأزمات الإنسانية في اليمن، إلا أن المنظمات الإنسانية ماتزال تواجه عقبات وتحديات كثيرة لاسيما فيما يخص إيصال المساعدات الإنسانية لمناطق الاحتياج اليمنية، بسبب الانتهاكات المستمرة التي تقوم بها الميليشيات الحوثية والتي تحول دون وصول المساعدات إلى المستفيدين. وأصدرت لجنة الإنقاذ الدولية (IRC)، قائمة مراقبة الطوارئ السنوية الخاصة بها، والتي تسلط الضوء على الدول العشرين الأكثر عرضة لخطر تدهور الأزمات الإنسانية في عام 2023، حيث تصدرت الصومال القائمة، ثم إثيوبيا وأفغانستان والكونغو الديمقراطية، فيما جاءت اليمن في المركز الخامس، تليها سورية، جنوب السودان، بوركينا فاسو، هايتي، أوكرانيا، بحسب الترتيب في البلدان العشر الأولى من القائمة. وأضافت اللجنة بأن الانهيار الاقتصادي الذي تعانيه اليمن والناجم عن عدم التزام الحوثي بالتسوية، سيؤدي إلى زيادة الاحتياجات الإنسانية في البلاد في العام القادم. وأشارت إلى أن انعدام الأمن الغذائي في اليمن يعد خلال هذا العام في أسوأ مستوياته منذ ثلاث سنوات، ومن المحتمل أن يتفاقم بسبب الاضطراب الاقتصادي بسبب الحصار الذي يفرضه الحوثي بحسب الخبراء. "كما أدى نقص التمويل الإنساني إلى الإخفاق في تلبية الاحتياجات الأساسية. يحتاج 21.6 مليون شخص (69 % من اليمنيين) إلى مساعدات إنسانية، ارتفاعاً من 20.7 مليون في عام 2021، لكن الاستجابة الإنسانية لم يتم تمويلها إلا بنسبة 54% في عام 2022". ودعت اللجنة إلى تكثيف الجهود الدولية لمواجهة أزمة الجوع وسوء التغذية في اليمن واتخاذ إجراءات عاجلة لإنقاذ الأرواح، وسد الفجوات التمويلية التي تعانيها البرامج الإنسانية حتى تتمكن من تلبية الاحتياجات الأساسية لملايين المحتاجين في البلاد. والمؤسف يكون الأطفال والنساء هم أشد الفئات تضررا من هذه الانتهاكات التي تحد من حصولهم على المواد الغذائية والمستلزمات الطبية الضرورية. إن العمل الإنساني باليمن يواجه تحديات رئيسية كبيرة من جراء الممارسات السلبية للميليشيات الحوثية، منها الحد من ظهور آثار المساعدات الإنسانية على المستفيدين منها والمستحقين لها، وذلك من خلال إعاقة وصولها واستهدافها بإتلافها أو بالاستحواذ عليها ونهبها.