أقل بقليل من اربعة شهور تفصل عن موعد الانتخابات النيابية في لبنان، والمقررة في حزيران يونيو المقبل. هذه المدة الطويلة كافية لإمكان ان ينقلب المشهد الذي رسا عليه الوضع اللبناني، بعد خطابي ذكرى 14 شباط لدى الاكثرية و16 منه لدى المعارضة. لقد توافق الجانبان على تأكيد التمسك بالتهدئة والسلم الاهلي، في الوقت الذي تكثر الحوادث بين انصارهما، وصولا الى العنف. وتوافقا على أهمية الانتخابات المقبلة في تقرير الخيارات المقبلة للبلد، وهي خيارات متباعدة واحيانا متناقضة خصوصا في معنى الانتماء والدور الاقليميين، وضمنا سلاح"حزب الله". كذلك توافقا على ان المحكمة الدولية التي ستقاضي المتهمين باغتيال الحريري باتت شأنا دوليا، مرجعية وولاية. وخياراتهما لتعامل الحكومة اللبنانية المقبلة مع ما قد يطلب منها، متباعدة هي ايضا، ولا تخلو من تسييس يشطر البلد حاليا. لكن الدعوات المشتركة الى التهدئة لا تظهر الرغبة في الوصول الى الانتخابات في مناخ يتسم بالحد الادنى من السلم الذي يمكن ان ينزلق الى العنف في اي لحظة، وانما تعكس مناخ المصالحات العربية - العربية التي لم يتضح كامل صورتها ومعانيها ونتائجها. اذ تضغط الرغبة العربية العامة من اجل توفير فرص عقد القمة، خلال الشهر المقبل، على الاطراف المحليين الذين تنعكس في مواقفهم الخلافات العربية. وفي طيات الدعوات الى التهدئة والاحتكام الى الناخبين، ثمة بذور ازمة تتعلق بالنظرة الى طبيعة السلطة المقبلة وكيفية تركيبها. فمن جهة، هناك في الاكثرية خصوصا مساع لإعادة الاعتبار الى اتفاق الطائف بما هو آلية دستورية للحكم، وما ينطوي على ذلك من اعتبار لنتائج الاقتراع لتحديد النهج السياسي للحكومة. اي ان الذي يفوز في الانتخابات هو الذي يحكم. ومن جهة اخرى، هناك في المعارضة خصوصا مساع لتكريس اتفاق الدوحة الذي جاء بعد ظرف استثنائي وخاص يتعلق بإزالة آثار الاجتياح العسكري لبيروت، وانتخاب رئيس للبلاد. وما ينطوي عليه ذلك من تثبيت آليات"توافق"هي في النهاية فرض ما تراه المعارضة بحكم كونها تملك السلاح. اي ثمة خلاف جوهري على كيفية الحكم في البلاد. فالتوافق الضروري في أوقات الأزمات، لتفادي العنف والحروب الداخلية، لا يمكن ان يكون بديلا عن الآليات الدستورية العادية في الظروف الطبيعية والسلمية. وتجربة السنوات القليلة الماضية تظهر ان"التوافق"المقصود ساهم في نزع فتيل الاشتباك في الشارع لكنه منع تشغيل الدورة الطبيعية للعمل الحكومي. والحكومة الحالية دليل فاقع على هذا النوع من"التوافق"، خصوصاً انه يرتبط بالثلث المعطل الذي عطل فعلا العمل الحكومي. ومثل هذه الحال لا يمكن ان تتكرر الى ما لا نهاية. اذ ان كل تكرار لها يقوض اكثر معنى الدولة والانتخاب والعمل الحكومي. بما يعطي الذين يستهدفون صورة البلد وخياراته الراديكالية مزيدا من القوة، الى حد الاستغناء عن الطرف الآخر في"التوافق"، وتاليا التفرد في الحكم وخياراته، وصولا ربما الى طبيعة النظام وآليات الحكم الدستورية. والسؤال هو: هل من الممكن وقف هذه الدورة واستعادة حياة دستورية طبيعية، تنقل المسؤولية الدستورية الى حيث يجب ان تكون بموجب الدستور، أي الى رئاسة الجمهورية، بدلاً من ان تبقى كما هي حاليا بين كتل برلمانية وامتداداتها الشعبية القابلة لكل انواع التعبئة والتحريض والانزلاق؟ هذه الامكانية ستكون صعبة في حال خروج القوى الحالية، من الانتخابات المقبلة، بميزان قوى شبيه بالحالي. علما انه لا يوجد أي مؤشر الى اختلال كبير يعطي طرفا غالبية مريحة. من هنا تفُهم الحملة على الكتلة الوسطية التي يصفها بعضهم بالكتلة الرئاسية. اذ ستكون هذه الكتلة هي الصوت المرجح والحكم بين طرفي الاشتباك الحالي. وتاليا ستوفر أداة شرعية، لأنها منتخبة، في يدي الرئيس للفصل بين الاتجاهات المتعارضة، وتساهم في الابتعاد عن التوجهات الراديكالية في هذا الاتجاه او ذاك. نشر في العدد: 16756 ت.م: 18-02-2009 ص: 15 ط: الرياض