سألت مصادر سياسية لبنانية عن أسباب إصرار رئيس الجمهورية اميل لحود على تشكيل حكومة ثانية، وبالتالي المضي في المشاورات التي دعا اليها قيادات الصف الأول في المعارضة لمعرفة رأيها الواضح من رغبته في تأليف الحكومة قبل نهاية الشهر الجاري؟ وقالت المصادر ل"الحياة"إن لحود لن يتراجع عن دعوته قيادات المعارضة الى بعبدا وإن استقباله أول من أمس وفد كتلة"الوفاء للمقاومة"برئاسة النائب محمد رعد يأتي في إطار استمزاج رأي"حزب الله"في إمكان توفير غطاء سياسي يتيح له الإقدام على مثل هذه الخطوة من دون أي رادع سياسي يجبره على التريث في اتخاذ مثل هذا القرار الذي ستكون له تداعيات سياسة. واستغربت الأوساط إصرار لحود على اختيار النصف الثاني من الشهر الجاري محطة سياسية وموعداً لاتخاذ قراره على رغم ان رئيس المجلس النيابي نبيه بري يتصدر القوى المعترضة على هذه الخطوة الى جانب زعيم"التيار الوطني الحر"العماد ميشال عون والنائب ميشال المر، وحزب الطاشناق والكتلة الشعبية برئاسة إيلي سكاف. وأضافت ان لحود لا يزال يراهن على موقف متجاوب معه من"حزب الله"، لكن يبدو ان قيادة الحزب ليست في وارد الانفصال عن بري والخروج عن التفاهم معه في كل شاردة وواردة انطلاقاً من التحالف الاستراتيجي القائم بينهما. كما ان لحود، بحسب المصادر عينها، يسعى، قدر الإمكان، الى الإفادة من موقف البطريرك الماروني نصر الله بطرس صفير على خليفة البيان الأخير لمجلس المطارنة الموارنة لاعتقاده بأن الظروف مواتية لقلب الطاولة في وجه الأكثرية باعتبار ان بكركي لم تعد توفر الغطاء السياسي للفريق المسيحي داخل قوى 14 آذار. وإذ تنقل المصادر عن أوساط رئيس الجمهورية ارتياحها الى الدور الفاعل الذي لعبه الأخير وكان وراء التبدل الجذري الذي طرأ على موقف بكركي فإنها تؤكد في المقابل ان البطريرك صفير هو من أبرز المندفعين في تأييد قرار بعبدا تشكيل حكومة إنقاذية لأنه يريد التحسب لاحتمال شغور سدة الرئاسة الأولى بسبب تعذر التفاهم على رئيس الجمهورية العتيد وذلك من خلال المجيء بحكومة جديدة لمنع الحكومة الحالية برئاسة فؤاد السنيورة من الاستمرار في تصريف الأعمال. وترى المصادر أيضاً ان لحود يحظى حالياً بدعم صفير لتفكيره في تشكيل حكومة إنقاذ يتمثل فيها جميع الأطراف الأساسيين في لبنان وانه لا يمانع أبداً بعودة السنيورة على رأس هذه الحكومة. وبالنسبة الى موقف لحود في حال قررت الأكثرية مقاطعة الاستشارات النيابية الملزمة التي سيجريها مع رؤساء الكتل النيابية تمهيداً لتسمية رئيس الحكومة المكلف تأليف الوزارة الجديدة أكدت المصادر ان لديه من البدائل"الدستورية"ما يتيح له الصمود على موقفه وعدم التراجع تحت ضغط مقاطعة قوى 14 آذار للاستشارات النيابية. وفيما ترفض هذه المصادر الدخول في تفاصيل البدائل التي سيلجأ اليها لحود، فإنها تؤكد ان الحكومة الثانية سترى النور، مع انها تدرك ان الرئيس عمر كرامي ليس في وارد الخوض في مثل هذه التجربة لما سينجم عنها من ردود فعل سياسية. أما في شأن تمسك بري برفضه مجرد البحث في فكرة الحكومة الثانية وما إذا كان هناك إمكان لإقناعه بتعديل موقفه، فإن المصادر تعترف بأنه لا يزال يمتنع عن توفير الغطاء السياسي لهذه الخطوة وبالتالي يفضل في الوقت الحاضر البقاء في منأى عن التجاذبات السياسية، خصوصاً انه صاحب الدعوة الى سحب مسألة الحكومة البديلة من التداول باعتبار ان الأبواب لم توصد بعد في وجه البحث عن حلول للأزمة اللبنانية وانه لا يزال يأمل بالوصول الى تفاهم في اللحظة الاخيرة، وبأن لدى الجميع ما يكفي من الوقت لانتاج تسوية تفسح المجال أمام التهدئة وتحضّر الأجواء للتوافق على رئيس الجمهورية الجديد. ومع ان بري ? بحسب أوساطه ? لا يقلل من حجم التداخل بين الوضع اللبناني وبين استمرار الاشتباك السياسي الإقليمي والدولي، لكنه يراهن على معاودة التواصل، وتحديداً بين المملكة العربية السعودية وإيران الذي برز أخيراً في الاتصال بين وزيري خارجية البلدين الأمير سعود الفيصل ومنوشهر متقي والذي يفترض ان يمهد الطريق أمام احتمال اجتماعهما في بحر الأسبوع المقبل في طهران. ثم ان بري الذي يتطلع حالياً الى تمرير الوقت، والى مؤتمر الحوار اللبناني ? اللبناني الذي تستضيفه باريس في نهاية الاسبوع المقبل، لا يبدي حماسة لتشكيل الحكومة الثانية اعتقاداً منه بأن من المبكر جداً الخوض في مثل هذا الخيار الذي يدفع البلد الى مزيد من التأزم لا سيما انه ينطوي على مخالفة دستورية توازي المخالفة الناجمة عن بقاء الحكومة الحالية بعد استقالة الوزراء الشيعة منها، إضافة الى رغبته في منح الفرصة للاتصالات العربية والدولية والإقليمية علّها تنجح في دفع الأطراف المحليين الى التوافق على رئيس الجمهورية الجديد. وهكذا فإن بري ليس على استعداد لتغطية مخالفة دستورية جديدة بذريعة وجود مخالفة مماثلة تتمثل في الحكومة الحالية، كما انه يقاوم بشدة أي محاولة لحرق المراحل السياسية عبر استحضار المزيد من الأزمات بدلاً من الإبقاء على كل الأبواب مفتوحة علّها تسهم في إعادة الاعتبار للحوار الداخلي مشروطاً هذه المرة بالتفاهم على الآلية السياسية لاجتياز الاستحقاق الرئاسي عبر المجيء برئيس توافقي. إضافة الى انه لا يحبذ القيام بأي مغامرة سياسية قبل الدخول في المهلة الدستورية لانتخاب الرئيس والتي تبدأ في 25 ايلول سبتمبر المقبل وتستمر حتى 24 تشرين الثاني نوفمبر وبالتالي لا بد من توظيف عامل الوقت للضغط لمصلحة انتاج تسوية سياسية. وفي المحصلة، ترى المصادر السياسية ان إصرار لحود على المضي في تشكيل حكومة ثانية، لا يزال يصطدم بمعارضة مباشرة من بري قبل السؤال عن موقف الأكثرية منه. وبالتالي سيبقى في إطار الرغبة غير القابلة للتطبيق.