لا شك في أن دول الخليج العربي تلعب دورًا بارزًا في استقرار الاقتصاد العالمي، فضلاً عن حرصها الشديد لتحقيق التوازن بهذا الخصوص، لإدراكها بأن استمرار إمدادات النفط واستقرار أسعاره يسهم في التيسير على الشعوب وعدم استئثار هذا الجانب لتحقيق مكاسب أو نحو ذلك، وأثبتت الأحداث بُعد النظر وعمق البصيرة لدى دول الخليج التي أكدت أن مفهوم الانتصار يكمن في سلامة الرؤية وسيادة الحكمة بهذا الصدد، بل إنها وفي هذه الأزمة أثبتت أنها تملك نموذجاً صلباً وفق خطاب راقٍ متزن كسب احترام العالم، حيث تفوق منطق الدولة على المنطق الشعبوي ومنطق الميليشيات، وذهب أبعد من ذلك في تجسيد للتكاتف والتعاضد وضبط النفس. إن تعزيز أطر السلام وفق هذا المفهوم يصلح أن يٌكتب ويُدرس في كتب التاريخ، الرؤية الاستباقة ذات البعد الإستراتيجي فيما يخص الأمن والاستقرار لم تكن وليدة اللحظة وفق الإعداد الجيد للتعامل مع مختلف الظروف التي فرضها منطق الأمور وترجمها واقع الحال، منظومة دفاعية وسيبرانية حولت السماء والأرض إلى درع عصي على الاختراق، قدرة هائلة في إدارة المخاطر واحتوائها وسرعة التصرف، تنوع منافذ التصدير، (خط شرق غرب) خير مثال على ذلك، تسخير مطارات الممملكة لخدمة الأشقاء، تكاتف والتفاف شعبي بين القادة والشعوب، وليس بمستغرب، حيث التجانس أفضى بطبيعة الحال إلى مرونة فائقة في استيعاب القرار والتأكيد على نجاح منقطع النظير. تنمية تحت النار، حيث لم تستطع المسيرات والصواريخ أن توقف عجلة صناعة المستقبل لحظة واحدة، بالعمل والتخطيط وسلاسة الإنجاز. دول الخليج كسبت احترام العالم وعززت الثقة بها، وأثبتت أنها القائد الفعلي للاستقرار الإقليمي، وضمان أمان اقتصاد العالم بمعزل عن التعالي والاستغلال، بل إنها حرصت أشد الحرص على عدم توقف صادراتها، ولم تلتفت للمهاترات هنا أو هناك، في حين أن الخير والسعي إلى نيله وتحقيقه ينبثق وفق منطلقات حضارية تترجم الروابط الإنسانية واقعاً تفاعلياً، وحساً إنسانياً نبيلاً يخلص إلى التعاون البنّاء، وحينما تقع الملمات في أي جزء من هذه المعمورة، فإنك بلا ريب تجد العاطفة الخيِّرة والنبل في المشاعر متجسداً في أهل الخليج وسرعة مد يد العون والمساعدة لهذا البلد أو ذاك، بغض النظر عن ماهية العلاقة، هذا الشعور النبيل بلا ريب يكرس الألفة من ناحية، ويسمو بالمشاعر الإنسانية الخلاقة نحو آفاق الفكر السليم والحس الصادق لتعزيز الحضارة الإنسانية وإبراز وجهها الوضاء، في حين أن التاريخ يسطر بمداد من ذهب، ألواناً مشرقةً لمن حرصوا على إعمار الأرض لا دمارها، وإسعاد الإنسان لا تعاسته، فباتت الروح المتألقة والمفعمة بالتقوى معلماً بارزاً ينبئ في المقام الأول عن إدراك واسع ورؤية ثاقبة، أهل الخليج مسالمون، دعاة سلام ووئام، أهل حضارة وبناء وتسامح وانفتاح متوازن، ناهيك عن أن قادة دول الخليج -أيدهم الله- يدركون جيدًا أن من سيتضرر في حال شح أو ارتفاع سعر المنتج بهذا الصدد هم الشعوب وفق استقراء دقيق ومتقن، ونأت دول الخليح بنفسها عن الدخول في مواجهات غير محسوبة، ليس خوفاً من ذلك، فهي تمتلك قدرات عسكرية هائلة وكوادر مؤهلة على مدار الساعة، ناهيك عن انسحاب تبعات هذا الأمر على تأصيل الكراهية بين الشعوب وما تخلفه وراءها من تراكمات سلبية تفضي إلى نشوء الاحتقان المعنوي لمن لم يرَ الصورة بأبعادها الشاملة، إن الفهم الواضح والجلي للأفعال وردودها في سياقات منطقية منضبطة يُفوِّت الفرص على مَنْ يرغب في استثمار التصدع لتوسيع الهوة وتضخيم التشققات من قبل البعض للاصطياد في الماء العكر في تكريس للشوشرة والتشويه، وفي محاولة بائسة لتحطيم الإرادة وكسر الذات، وأنّى لهم ذلك، وما يجمع الخليج وأهله ثوابت الدين والتاريخ وروابط الأخوة على طول هذه الأرض وعرضها، ولله الأمر من قبل ومن بعد.