فقد الوسط الفني الكويتي والعربي، أبرز رموزه وركائزه في الدراما الخليجية، الفنانة الكويتية القديرة حياة الفهد، التي شكّلت عبر مسيرتها الممتدة لستة عقود علامة فارقة في تاريخ الفن التلفزيوني والاجتماعي في المنطقة، حيث إنها أسهمت في تأسيس وتطوير الدراما الخليجية منذ ستينات القرن الماضي، بعد مسيرة فنية امتدت لأكثر من ستة عقود، شكّلت خلالها أحد أبرز أعمدة الدراما الخليجية وأكثرها تأثيرًا في تشكيل الوعي الاجتماعي والفني. حيث وُلدت حياة الفهد في 18 أبريل 1948 في الكويت، ونشأت في بيئة بسيطة، انعكست لاحقًا على اختياراتها الفنية، حيث اتجهت منذ بداياتها إلى تقديم شخصيات قريبة من الواقع الاجتماعي. وقد بدأت مسيرتها الفنية في سن مبكرة، إذ لم تتجاوز السادسة عشرة من عمرها حين انطلقت عام 1964 عبر مسلسل "عائلة بوجسوم"، لتضع بذلك أولى خطواتها في عالم الدراما الخليجية الذي امتد لعقود لاحقة. ما يميز حياة الفهد أنها تمتلك شخصية فنية وذات رؤية واضحة في تقديم الفن بوصفه انعكاسًا للمجتمع، وهو ما جعلها تتجه إلى أعمال تحمل بعدًا اجتماعيًا وإنسانيًا، وتتناول قضايا الأسرة والمرأة والتحولات الاجتماعية في الخليج. وخلال مسيرتها قدمت عددًا من الأعمال التي أصبحت علامات بارزة في تاريخ الدراما الخليجية، مثل: (خالتي قماشة) الذي رسّخ حضورها الكوميدي الاجتماعي، (ورقية وسبيكة) الذي عكس قدرتها على بناء شخصيات نسائية مركبة، إضافة إلى أعمال مثل: (جرح الزمن) الذي قدّمت فيه معالجة درامية لقضايا إنسانية واجتماعية بعمق وواقعية. وشكّلت حياة الفهد مع الفنانة القديرة سعاد عبدالله إحدى أبرز الثنائيات في تاريخ الدراما الخليجية، حيث اجتمعتا في عدد من الأعمال التي حققت حضورًا واسعًا، وأسهمت في ترسيخ هذا النوع من الدراما، لتصبح تجربتهما المشتركة علامة بارزة في ذاكرة التلفزيون الخليجي، رغم استمرار كل منهما في مسار فني مستقل لاحقًا، ولم يقتصر حضورها على التمثيل، بل امتد إلى الكتابة والإنتاج، ما منح تجربتها خصوصية فنية جعلتها أقرب إلى مدرسة درامية تدرس للأجيال وأسهمت في صياغة المحتوى الخليجي وتطويره عبر مراحل مختلفة. وتندرج تجربة حياة الفهد التمثيلية ضمن مدرسة "الواقعية الاجتماعية" (Social Realism)، مع اعتماد واضح على الأداء الطبيعي (Naturalistic Acting)، حيث قامت ببناء شخصيات درامية قريبة من الواقع الإنساني، تعتمد على العمق النفسي والتفاصيل الاجتماعية، ما جعلها من أبرز ممثلات التمثيل القائم على الشخصية في الدراما الخليجية. وفي سنواتها الأخيرة، شاركت في أعمال جمعت بين الجيل المؤسس والجيل الجديد من الفنانين، من بينهم أسماء لمعت مؤخراً مثل: شجون الهاجري وإلهام الفضالة وهيا عبدالسلام وعبدالله بهمن، وغيرهم في أعمال عكست انتقال الخبرة بين الأجيال واستمرار التطور الفني. ويُعد مسلسل سنوات الجريش (2022) من آخر وأبرز أعمالها الفنية قبل ابتعادها التدريجي عن الساحة الفنية، وذلك بعد تعرضها لوعكة صحية في عام 2025، تمثلت في مضاعفات صحية أثرت على حالتها العامة، أدت إلى تدهور وضعها الصحي في الفترة الأخيرة. مسيرتها الطويلة لقيت كل التقدير، وحظيت حياة الفهد بعدد من الجوائز والتكريمات من مهرجانات وجهات ثقافية خليجية وعربية، من أبرزها مهرجان الخليج للإذاعة والتلفزيون، ومهرجان القاهرة للإعلام العربي، ومهرجان قرطاج للإذاعة والتلفزيون، إضافة إلى تكريمها في المملكة العربية السعودية ضمن جوائز Joy Awards تقديرًا لمسيرتها الممتدة. في مشهد لافت من التقدير، حظيت بتكريم مؤثر، حيث عبّر معالي الشيخ تركي آل الشيخ عن تقديره لمسيرتها الفنية، في لحظة عكست مكانتها الراسخة في الوجدان الفني الخليجي. وبرحيلها، لا تفقد الدراما الخليجية فنانة فقط، بل تطوي صفحة مرحلة تأسيسية كاملة أسهمت في بناء هوية الفن الخليجي الحديث، وتركَت إرثًا فنيًا سيظل حاضرًا في ذاكرة الأجيال.