تستبعد قيادات في الأكثرية والمعارضة حصول "مفاجآت" على هامش الجلسة النيابية التي دعا اليها غداً رئيس المجلس النيابي اللبناني نبيه بري لانتخاب رئيس جديد للبنان خلفاً للرئيس الحالي اميل لحود، وتوقعت أن يتسم حضور النواب المنتمين الى قوى "14 آذار" الى ساحة النجمة بأجواء هادئة ورغبة قاطعة بعدم اقفال الباب على التوافق في حال عدم انعقاد الجلسة بسبب تعذر توفير النصاب القانوني لها بأكثرية ثلثي أعضاء البرلمان. كما توقعت المزيد من المشاورات استعداداً للجلسات اللاحقة المخصصة لتأمين انتقال هادئ للسلطة من خلال انتخاب رئيس جديد. وترى القيادات نفسها، بحسب ما قالت مصادرها ل"الحياة"، إن اليوم النيابي الطويل غداً في البرلمان، لن ينتهي الى اشتباك سياسي بين نواب الأكثرية ونواب المعارضة الذين سينزلون الى ساحة النجمة من دون أن يشاركوا في الجلسة. وتعزو هذه القيادات السبب الى أن من يواكب الجهود المبذولة من المملكة العربية السعودية من خلال سفيرها في لبنان عبدالعزيز خوجة الذي يتواصل مع جميع الأطراف من دون استثناء، يلمس مدى الهجوم الايجابي للقيادة السعودية باتجاه حض القوى الفاعلة والمعنية بانجاز الاستحقاق الرئاسي على ضرورة التوافق وتفويت الفرصة على من يراهن على أن انتخابات الرئاسة تشكل محطة للعودة بالوضع في لبنان الى الوراء، بدلاً من أن تكون حافزاً للجميع يجب الافادة منه وصولاً الى تهيئة الأجواء السياسية العامة للانتقال بالبلد الى مرحلة جديدة تبشر بالتفاهم على الحلول المطلوبة لانهاء الأزمة. وتؤكد القيادات عينها أن المملكة العربية السعودية ممثلة بالسفير خوجة دخلت منذ اسابيع بقوة على خط التهدئة في لبنان، وسارع الأخير الى تكثيف اتصالاته بكل الأطراف فور وقوع جريمة اغتيال النائب الكتائبي انطوان غانم، ما قاد الى تجاوب الأطراف مع مساعيه، وهذا ما برز بوضوح من خلال المواقف التي صدرت عنها، كما أن القوتين الشيعيتين المتمثلتين بحركة"أمل"و"حزب الله"تجنبتا الانجرار الى اشتباك سياسي مباشر مع الأكثرية بخلاف قوى أخرى محسوبة على سورية انبرت للدفاع عنها ضد الاتهامات التي حمّلتها مسؤولية مباشرة ازاء هذه الجريمة. وتابعت المصادر أن القيادات في الأكثرية تناغمت بطريقة أو بأخرى مع الدعوات الى عدم الدخول في اشتباك سياسي مع"أمل"و"حزب الله"على رغم انها بادرت الى توجيه التهمة لسورية في جريمة اغتيال النائب غانم، مشيرة الى أن تحييد القوتين الشيعيتين عن السجال الدائر على خلفية اغتيال النائب الكتائبي سمح بالابقاء على أجواء التهدئة والحفاظ على الحد الأدنى من المناخ السياسي الداعم للتوافق على الرئيس الجديد. وتؤكد القيادات عينها كما قالت مصادرها، ان الجهود التي بذلتها المملكة العربية السعودية لم تكن الأولى من نوعها، خصوصاً ابان اشتداد الأزمات في لبنان، وقالت إن القيادة السعودية كانت وما زالت السباقة في توفير الفرص أمام اللبنانيين للتوافق على مخرج لانهاء الأزمة الراهنة. فالسعودية، بحسب هذه المصادر، تتصرف باستمرار على أنها على مسافة واحدة من جميع الأطراف المحلية وانها الأقدر على مساعدتهم من أجل تضييق رقعة الاختلاف بينهم، خصوصاً أن ليس لديها مشروع خاص بلبنان أو حسابات تتعارض ومصلحة القوى السياسية، وهذا ما يفسر الضغوط التي مارستها في كل الاتجاهات بغية الابقاء على فرصة التوافق في شأن انتخابات الرئاسة قائمة، داعية في الوقت نفسه الى التعاطي بايجابية وانفتاح مع المبادرة التي أطلقها الرئيس نبيه بري في بعلبك في 31 آب أغسطس الماضي. منع الصدام السياسي كما أن السعودية لم تتوقف أمام السجال الذي حصل أخيراً بين الأكثرية والمعارضة على خلفية الجواب الذي صدر عن القيادات في 14 آذار على مبادرة بري وإنما سارعت الى التواصل مع رئيس المجلس وآخرين في المعارضة اضافة الى الأكثرية لمنعهم من الدخول في صدام سياسي لا تريده ولا تتمناه للبنان، ناهيك بأن السعودية كانت وما زالت تنصح باجتياز الاستحقاق الرئاسي بالتوافق على الرئيس العتيد ولا تكترث للتهديدات التي تستهدفها في محاولة مكشوفة لضرب قدرتها على التواصل مع الأكثرية والمعارضة في آن معاً. وفي هذا السياق، أبدت مصادر قيادية في المعارضة ارتياحها للدور الذي لعبه خوجة في وصل ما انقطع بين بري من ناحية ورئيس كتلة"المستقبل"النيابية سعد الحريري ورئيس"اللقاء النيابي الديموقراطي"وليد جنبلاط وآخرين في قيادات 14 آذار، لا سيما بعد موقف الأكثرية من مبادرة رئيس المجلس. وقالت ل"الحياة"إنها تسجل للسعودية الدور الذي لعبته للتقريب في وجهات النظر بين جميع الاطراف بحيث لا تشكل دعوة الأخير لانتخاب رئيس جديد فرصة للاعلان عن"الطلاق النهائي"بين الأكثرية والمعارضة بمقدار ما يجب توظيفها على طريق العودة الى الحوار والتواصل بحثاً عن مخرج لحل الأزمة وتطويق المحاولات الرامية الى جر البلد للفوضى ومنها الى المجهول. وكشفت المصادر النقاب عن أن هناك من حاول أن يقصف الدور الايجابي للسعودية بشخص سفيرها خوجة من خلال الترويج لمعلومات مفادها أن الأكثرية تنتهز حضور نوابها غداً الى البرلمان لانتخاب رئيس منها بالنصف زائداً واحداً، خصوصاً أن معلومات من هذا القبيل تناقلتها أطراف في المعارضة وتقول إن اغتيال النائب غانم سيدفع بقوى 14 آذار الى سلوك طريق الخيار الأحادي، أي انتخاب رئيس بمن حضر من دون العودة الى المعارضة. لكن تبين، كما تقول المصادر، ان مثل هذه"المعلومات"عارية تماماً عن الصحة وأن هناك من حاول استغلال رد فعل بعض الأطراف في الأكثرية على اغتيال النائب غانم وأخذ يتصرف مع دعوتها العفوية الى انتخاب رئيس بالنصف زائداً واحداً وكأنه ينم عن قرار اتخذ في الأكثرية وأن حضور النواب المنتمين إليها غداً الى البرلمان يصب في خانة انتخاب الرئيس. وفي المقابل، أكدت مصادر في الأكثرية ل"الحياة"ان استشهاد النائب غانم كان دافعاً لها للإصرار على التوافق مع المعارضة وأنها أحسنت التعاطي مع التداعيات المترتبة على الجريمة من زاوية ان من نفذها كان يخطط لاغتيال آخر فرصة للتلاقي بين القوى السياسية. وأعربت المصادر نفسها عن اعتقادها بأنها نجحت في تطويق ردود الفعل على الجريمة واستوعبتها رغبة منها بعدم توفير ذريعة للبعض في المعارضة للذهاب بعيداً في التصعيد باستثناء المواقف المتسرعة التي صدرت عن"تكتل التغيير والإصلاح"برئاسة العماد ميشال عون، وبالتالي إحباط المحاولة الرامية الى إعطاء فرصة لمن يخطط للانقضاض على الوضع. وتوقفت المصادر امام الخطاب الذي اعتمده"حزب الله"في تعاطيه مع الجريمة، مشيرة الى ان الحزب من خلال وسائله الإعلامية أو عبر المسؤولين فيه اعتبر غانم شهيداً بخلاف نواب آخرين من قوى 14 آذار اغتيلوا في فترات سابقة. ورأت المصادر في موقف الحزب قراراً اتخذه بعدم إقحام نفسه في مشكلة مع الشارع المسيحي ومن خلاله الأكثرية وهذا ما يمكن ان يؤشر الى انه لا يتفق وبعض حلفائه في الموقف من استشهاد غانم الذي تعاملت معه حركة"أمل"على انه استهداف مباشر لمبادرة رئيسها. وأكدت ان القوتين الشيعيتين رسمتا لنفسيهما هامشاً سياسياً لم يقحمهما كطرف في السجال الذي أحدثه اغتيال غانم وكأنهما ارادتا إعطاء فرصة للجهود التي يقدمها بري بحثاً عن حل للأزمة فيما لا يزال البعض ممن هم على خانة التحالف اللصيق مع سورية يروج للدعوة الى تشكيل حكومة ثانية ويبشر ايضاً بأن"الفراغ"لا يزال المرشح الأوفر حظاً لرئاسة الجمهورية. لحود وفيلتمان وعلى خط آخر، توقفت مصادر سياسية متطابقة امام لقاء موفدين مقربين من الرئيس لحود بالسفير الأميركي في بيروت جيفري فيلتمان. وعلمت"الحياة"ان فيلتمان التقى اخيراً الوزير السابق، وديع الخازن ومن ثم العضو السابق في المجلس الدستوري القاضي سليم جريصاتي وكلاهما مقرب جداً من لحود. وفيما لم يعرف ما اذا كان الانفتاح على فيلتمان الذي جاء قبل ايام من توجه لحود الى نيويورك على رأس الوفد اللبناني الى الدورة العادية للأمم المتحدة، جاء بناء على طلب من الأخير، افادت المعلومات انهما اكدا للسفير الأميركي رغبة الرئيس لحود بالعودة الى منزله فور انتهاء ولايته وأنه لا يزال يراهن على التوافق على خلفه. وبحسب المعلومات، اكد الخازن وجريصاتي ان تشكيل حكومة ثانية ليس مطلباً للحود وأنه سيضطر في 24 تشرين الثاني نوفمبر المقبل الى ترك القصر الجمهوري في بعبدا عائداً الى منزله وأنه سيسلم السلطة لقيادة الجيش وأنه في الوقت نفسه لا ينوي الدخول في صدام سياسي مباشر مع المجتمع الدولي الضاغط من اجل انتخاب رئيس جديد في موعده الدستوري وهذا ما يعكس رغبته في الدعوة الى التوافق عليه.