تبدو السلطات التونسية كأنها في حرج من أمرها. استبقتها الصحف الإسرائيلية، وهذه لا تفلّت فرصة"تطبيعية"دون الإسراف في الإشادة بها، إلى إعلان الدعوة التي وجهها الرئيس زين العابدين بن علي إلى رئيس الحكومة العبرية أرييل شارون لزيارة تونس، ومسارعة الأخير إلى الاستجابة، لحضور القمة الدولية للمعلومات، في تشرين الثاني نوفمبر، فحرمت تلك الصحف تونس صلاحية"إدارة"إعلان تلك الخطوة وفرصة إخراجها على الملأ المحلي والعربي وكيفية ذلك الإخراج. تبدى الحرج ذاك عبر أكثر من علامة ومن أمارة، من وسائل الإعلام التونسية التي تعمدت، على غير عادتها في مثل تلك الحالات، نشر الخبر في الصفحات الداخلية، إلى مسارعة وزير الخارجية عبد الباقي الهرماسي إلى التوضيح بأن قمة المعلومات تظاهرة دولية، ترعاها الأممالمتحدة وبمبادرة من هذه الأخيرة، ويُدعى إلى المشاركة فيها كل الدول الأعضاء في المحفل الأممي، وإسرائيل بطبيعة الحال في عدادها، فكاد الوزير التونسي أن يتبرأ وأن يبرّئ بلاده من تلك الدعوة، وإن بقي دون الإقدام على إعلان إلغائها وصرف النظر عنها. على أية حال لا يبدو أن تونس كانت راغبة في إيلاء تلك الدعوة صدى إعلاميا كبيرا. مراسل أسبوعية"جون أفريك"قال بأن نص الدعوة جاء باردا، رسميا، على شاكلة الدعوات الموجهة إلى كل الرؤساء، لا يتسم بحرارة"تطبيعية"بالغة، كتلك التي أوحت بها وسائل الإعلام الإسرائيلية. تونس كانت تعتقد على الأرجح أن الدعوة تلك لن تستثير أكثر مما استثارته مثيلات لها شهدتها بلدان عربية عدة في السنوات الماضية، إن على نحو ثنائي، وإن في إطار تظاهرات دولية استضافتها، وشاركت فيها إسرائيل، شأن المغرب أو قطر وسواهما. هل في الأمر سوء تقدير من الديبلوماسية التونسية؟ قد يكون... يبقى على أية حال أن الدعوة تلك استثارت جزءا من الرأي العام التونسي، أحزاب معارضة وأوساطاً طلابية خصوصاً، نادرا ما اعترضت، خلال السنوات الأخيرة وبهذا القدر من الحدّة، على شأن داخلي صرف، شأن الانتخابات الرئاسية الأخيرة أو تعديل الدستور، أو قضايا أخرى كثيرة كانت محل جدل أو إدانة بقيا خافتين حفيضيْ الصوت. هل تلام تونس على إتيان ما أقدمت أو ستقدم عليه بلدان عربية كثيرة، حسب وزير الخارجية سيلفان شالوم الذي توقع إقامة علاقات مع عشر دول عربية في غضون هذه السنة؟ وهل يُمنع عنها ما يسمح به لسواها، بما في ذلك موريتانيا التي لم تقطع علاقاتها بالدولة العبرية، بل لم تبادر حتى إلى سحب سفيرها أسوة بسواها، إبان استعار انتفاضة الأقصى؟ تلك أسئلة تطرح... لكن يبقى أن في دعوة شارون، تحديدا لأنه شارون، ما يصدم. يقولها المرء دون استسهال التخوين واستمرائه، ومن باب حق المرء في إبداء الرأي، خصوصا إذا ما تعلق بسياسة وطنه الأصلي. غير أن أهم ما قد تنطوي عليه هذه الخطوة التونسية أنها، إذ لا تتذرع بما تتذرع بها نظيرات لها مصرية أو أردنية أو فلسطينية من"تطبيع اضطراري"، إنما توفر فرصة لإعادة طرح مسألة"التطبيع"، تلك التي ما انفكت تُسيل حبرا غزيرا، متوترا في الغالب متشنجا، حتى تحولت في نظر البعض، بل الكثرة، إلى شتيمة، وباتت لدى البعض الآخر، وهم قلة، عنوان الحداثة والاعتدال، وهو اعتدال يجري التعبير عنه، أحيانا، على نحو متطرف يعوزه... الاعتدال. ابتداءً، ربما توجب التمييز بين"تطبيع وظيفي"وآخر"مبدئي"أو لنقل"إيديولوجي"، بعض الداعين إليه يتخذونه أقنوما، يبجلونه في معرض تبجيلهم للسياسة الأميركية في المنطقة، بما في ذلك حيال المسألة الفلسطينية. أما ذلك"التطبيع الوظيفي"، فيتوقف عند مواكبة التسوية، عندما يكون هناك مسار أو مشروع تسوية"عادلة"أو واعدة بإحقاق الحقوق الأساسية للفلسطينيين، وإن اتخذ هيئة مبادرات تستبق الخطوات العملية للتسوية، من باب التشجيع على تلك الخطوات. مهمته هي دعم جهد المفاوض الفلسطيني، ومساعدته والوقوف إلى جانبه من خلال المساهمة في طمأنة الطرف المقابل، وهي على أية حال عملية تلازم مطالب الجانب الفلسطيني وتسير وفق إيقاعها ولا تستوي بديلا عنها. هذا الضرب من التطبيع مشروط بالمصلحة الفلسطينية لا يتجاوزها حتى وإن قام به"متطوعون"، دولا أو أفرادا أو منظمات. وهو خصوصا يشترط استجابة من الجانب الآخر، بل تحديدا وحصرا من فئاته وأوساطه الداعية للسلام والمقرّة بالحقوق الفلسطينية، كما يراها الفلسطينيون في هذا الطور من نضالهم، أي على أساس تقاطعٍ بين ما تراه مثل تلك الأوساط الإسرائيلية مصلحة لدولتهم وبين تلك المطالب الأساسية الفلسطينية. وهذا النوع من التطبيع، أو سمّه حوارا أو تواصلا إن شئت، لا يعيب ولا يشين مادام مهتديا بتلك الشروط، وهو لا يتسع، بداهة وبطبيعة الحال، لمن كان على شاكلة أرييل شارون. هذا النوع من"التطبيع"، والذي ربما كان متاحا إبان فترة أوسلو، أقله وفق اجتهاد البعض، ما عاد يتسع له النزاع الإسرائيلي الفلسطيني في طوره الراهن. لم يبق هناك من محاور من الجانب الآخر: دعاة السلام في إسرائيل هُمّشوا وخفت صوتهم أو انقلبوا صقورا. ثم أن إسرائيل تخلت عن فكرة التسوية أصلا، وباتت الشارونية الجامع المشترك بين السواد الأعظم من رأيها العام ومن مجتمعها السياسي. ما عادت، عمليا وإن لم تصرّح بذلك، تدين بمبدأ"الأرض مقابل السلام"، وباتت تريد نيل السلام والاحتفاظ بالأرض معا، لأنها باتت ترى أن ميزان القوة يمكّنها من ذلك، بعد نهاية الحرب الباردة وانفراد الحليف الأميركي بمقدرات العالم، وبعد الحادي عشر من أيلول والحرب العراقية وما استتبعته من وفود القوات الأميركية إلى المنطقة واستشراء الوهن العربي، وخصوصا بعد أن بات"التطبيع"شرطا أميركيا لا مجرد مطلب إسرائيلي، تفرضه الولاياتالمتحدة فرضا، بمعزل عن كل تسوية، عنصرا من عناصر نشر"الديموقراطية في الشرق الأوسط الكبير". وهذه أضحت، وفق تعاليم ناثان شارنسكي، مُلهم بوش ومُنظر البوشية هذه الأيام، المعيار الفاصل في تعيين من هو جدير بنيل حقوقه ومن تعوزه الجدارة. وفق المنطق هذا والشروط هذه، يكون الإقبال على التطبيع، وإن كان انتقائيا، تقبل عليه الدول أو يدعو إليه الأفراد، ضرباً من الإقرار بغلبة ومن التسليم بسيطرة، يحسن بمن يستطيع تجنبه أو لا تضطره إليه الضغوط القاهرة أن يربأ بنفسه عنه... قد لا يغير مثل هذا الموقف من واقع الغلبة والسيطرة شيئا، لكنه على الأقل يغني عن التواطؤ مع جور فاضح. كاتب تونسي