والآن، سيداتي سادتي، اليكم هذا النبأ السعيد: أعلن رئيس الوزراء الاسرائيلي ارييل شارون قبوله دعوة لزيارة تونس... ولم يفصح الجانبان عن دوافع الدعوة أو قبولها، لكن مصادر غير مطلعة تساءلت هل كان بإمكان شارون ان يرفض الدعوة. وأبدت مصادر أخرى خشيتها من أن يستبق مجرم الحرب الاسرائيلي زيارته هذه بواحدة من عملياته الدموية تأكيداً لنهجه الارهابي الثابت وحرصاً منه على أن تكون هديته لمضيفيه من النوع الوحيد الذي يتقن صنعه. وتكهن مراقبون حياديون بأن الجانبين سيركزان محادثاتهما على المسائل"الثنائية"فضلاً عن المستجدات في الشرق الأوسط. وعلى رغم عدم الاكتراث الذي أبداه شارون طوال حياته حيال"تطبيع"العلاقات مع الدول العربية، وتجاهله ل"مبادرة سلام"تبنتها القمة العربية، والوحشية التي اعتمدها منهجاً في التعامل مع الفلسطينيين، إلا أنه تلقى دعوة الرئيس التونسي بكثير من الترحيب، اذ أن هذه الزيارة ستقوّي موقفه في مواجهة الضغوط الاميركية التي تطالبه باصلاحات داخلية تواكب"الفرصة المتاحة"لاحياء"عملية السلام". لا ينفك"التطبيع"العربي - الاسرائيلي يتسخّف، حتى أنه أصبح بلا أي أهمية، بدليل ان المطبعين السابقين الذين قدموا مبادراتهم على أنها"خدمة للسلام"تأكدوا عملياً بأنها لم تخدم شيئاً على الاطلاق، إلا أنها أضرّت بقوة. فمثل هذا"التطبيع"لا بد أنه عنى ويعني طلاقاً مع صراع عربي - اسرائيلي لا يزال في وجدان العرب من المحيط الى الخليج، وبالتالي تحوّل"التطبيع"كسواه من السياسات المجيّرة لاسترضاء الولاياتالمتحدة الى نوع آخر من القمع للشعوب، قمع يضربها في قناعات ترّبت عليها وتشرّبت معها رفضاً لحالة الظلم والقهر التي لا تزال اسرائيل تمثلها في قلب المنطقة العربية. ومع ان حكومات غربية عدة استنتجت في السنوات الأخيرة ان مسيرة احترام حقوق الانسان العربي تبدأ بالضرورة بحل سلمي عادل يحترم حقوق الشعب الفلسطيني، إلا أن حكومات عربية لا تزال مصرّة على عدم رؤية هذا البعد الحقوق - انساني وتفضل استرضاء أميركا بتقديم هدايا تطبيع مع اسرائيل على أن تقوم بما يمليه عليها الواجب نحو شعوبها. حتى ان بعض هذه الحكومات يدفع مئات الملايين في حملات علاقات عامة لتحسين صورته في الخارج ويستكثر على الشعوب ما هو أرخص كثيراً. والمشكلة ان الصورة في الخارج لا يمكن أن تتحسن إلا إذا تحسنت الصورة في الداخل. لو كان شارون ينفع في العلاقات العامة لكانت الولاياتالمتحدة حققت أكبر استفادة منه، وهي التي انفقت مئات الملايين لتحسين صورتها عند العرب والمسلمين. وكان جورج بوش حاول تسويق شارون ك"رجل سلام"لكن أحداً في العالم لم يشتر هذه السلعة المتعفنة، فحتى يهود أميركا لم يميلوا الى انتخاب بوش الذي فاز بأصوات الآخرين. والمؤمل الآن ان لا تلمع في ذهن بوش فكرة الاعتماد على شارون في ترويج"الحرية"و"الديموقراطية"تطبيقاً لبرنامجه في الشرق الأوسط"الكبير". فالرئيس الأميركي كان اعتمد كل الوصفات التي حددها حليفه مجرم الحرب الاسرائيلي ل"اصلاح"الوضع الفلسطيني، لكن الاثنين وضعا كل آمالهما في وفاة مبرمجة للرئيس الفلسطيني الراحل. اذ ان قتل"الشريك"المفترض في الطرف الآخر هو الحل الوحيد لمأزق يتطلب تنازلات سياسية، وبما ان التنازلات صعبة عند الأميركيين والاسرائيليين فإن المخرج للتخلص منها لا يكون إلا بإزالة من يطالب بها، حتى لو كان هذا الأخير في وضعية تفاوض معهم. ينعقد مؤتمر لندن في الأول من آذار مارس في حضور دولي وعربي واعد. الكل يريد إنجاح"الفرصة"المتاحة. والكلام الذي سيقال يعني الفلسطينيين كما يعني الاسرائيليين. لكن هؤلاء اختاروا الغياب، ومع ذلك يسعون الى التحكم عن بعد بما سيدور في هذا المؤتمر. اذا كانت المناسبة تخص الفلسطينيين فلماذا يقدم البريطانيون لاسرائيل امكان تعديل أو تغيير نصوص بيان المؤتمر. وإذا كانت الدول المانحة تريد ان تعلن التزاماتها وأن تطالب الفلسطينيين بالتزامات مقابلة، فما هي الالتزامات التي حصلت عليها هذه الدول من شارون؟ لا شيء، إلا إذا كانت تتعامل مع خططه الانسحاب من غزة، مثلاً على أنها تنازل، ولو حضر الاسرائيليون مؤتمر لندن لأمكن على الأقل سؤالهم عن الأرض التي سيسرقونها من الضفة الغربية مقابل الانسحاب من غزة. من الأخطاء المكررة وربما المتعمدة ان يبقى الاسرائيلي متفلتاً من أي التزام، لكن هذا التفلت هو الخطر الأكبر على أي مسعى دولي لاقامة السلام. سيكون اصلاح السلطة الفلسطينية بين أهم الالتزامات المطلوبة في مؤتمر لندن. هذا الاصلاح طموح فلسطيني لأن فيه مصلحة للشعب ول"الدولة"الموعودة. لكن من يطالب باصلاحات اسرائيلية لمواكبة ما سيكون عند الفلسطينيين، فهذه مسألة جوهرية أيضاً إذا كان الهدف هو السلام في المنطقة، وإذا كان التطبيع بين العرب والاسرائيليين أمنية دولية مخلصة.