لم يكن توجيه الدعوة لشارون لزيارة تونس معزولاً عن أجندة العلاقات غير الرسمية التونسية - الاسرائيلية التي لم تنقطع أبداً على رغم الامتثال لقرار قمة القاهرة بتجميد التطبيع مع الدولة العبرية. استمرت الاتصالات السياسية من خلال اللقاءات بين وزير الخارجية الاسرائيلي شالوم ونظيره السابق حبيب بن يحيى والحالي عبدالباقي الهرماسي على هامش جلسات الأممالمتحدة والاجتماعات المتوسطية. أكثر من ذلك زار أمين عام الخارجية الاسرائيلية تونس العام الماضي لتعميق الحوار في ملفات مشتركة، ولا شك أن في مقدمها التنسيق لمكافحة ما يسميه الجانبان"الإرهاب"و"التطرف". وتعزز الحوار السياسي بتنشيط العلاقات التجارية والسياحية في شكل مطرد خلال الفترة الأخيرة، وأظهرت الاحصاءات الخاصة بحركة التجارة بين اسرائيل والبلدان العربية أن حصة تونس تتسم بنمو متزايد وإن اعتبرت ضئيلة. أما العلاقات السياحية فأبصرت انعطافاً لافتاً منذ السماح للاسرائيليين بزيارة كنيس"الغريبة"في جزيرة جربة اعتباراً من السنة 1994 للمشاركة في الطقوس اليهودية السنوية التي تقام في أقدم معبد يهودي خارج فلسطين. وبات طقس"الزيارة"العمود الفقري للتطبيع بين الدولتين إذ يأتي وزراء ونواب من"الكنيست"في تلك المناسبة على متن الرحلات المباشرة لشركة"العال"بين مطاري"بن غريون"وجربة، فيما يحضر دائماً وزير تونسي ومسؤولون آخرون"الاحتفال"السنوي ليؤكدوا على التمسك ب"القيم المشتركة". ليس المهم هنا وضع جردة بالمحاور المختلفة للعلاقات التونسية - الاسرائيلية بعد تجميد التطبيع على الواجهة الديبلوماسية، لكن المهم أن هناك أجندة ثنائية أكبر من أجندة الأممالمتحدة الخاصة بعقد الجولة الثانية من القمة العالمية لمجتمع المعلومات التي تستضيفها تونس في الخريف المقبل. وعليه فالسبب الرسمي الذي قدم لتبرير توجيه الدعوة لشارون بعنوان حضور تلك القمة ليس سوى ذريعة لتغطية ورقة بأخرى. والورقة الحقيقية هي التي أماط اللثام عنها قبل أيام شالوم لدى إعلانه تنشيطاً وشيكاً للتطبيع مع عشر دول عربية، ما دل على أن الخطوة التونسية مرتبطة بسياق ثنائي بين الحكومتين أكثر منها بالمسار الأممي الذي أعطى الغطاء المطلوب للزيارة. ومن الثابت أن الأجندة التطبيعية التونسية خضعت في استمرار لضغوط الولاياتالمتحدة واللوبيات الصهيونية التي استخدمت نقاط ضعف الحكم لابتزازه والحصول على تنازلات تساهم في كسر عزلة اسرائيل وتعميق الثغرات في جدار المقاطعة المخترق أصلا في مستويات عدة. وبرزت في ذلك الضغط المتقاطع اللوبيات الاسرائيلية التونسية التي ما انفكت تتحرك داخل البلد وخارجه لتكريس مستوى أعلى من التطبيع. ومن المحطات المهمة في هذا المسار زيارة كبير أحبار فرنسا جوزيف سيتروك لتونس أواخر العام الماضي، والتي أكد في ختامها أن على الحكومة التونسية ألا تكتفي بإعلانات النيات وتضع أجندة فعلية لتسخين العلاقات مع الدولة العبرية. كذلك لم يزر مسؤول أميركي تونس إلا وفتح موضوع التطبيع وضغط للتشجيع على مزيد من المبادرات والخطوات التي تكرس التقارب مع الدولة العبرية. وتزامن فتح هذا الملف مع طرح خطة الاصلاحات السياسية التي شكلت أحد المحاور البارزة والمتوترة في العلاقات مع الادارة الأميركية. لكن الحكومة التونسية الواقعة بين نارين لم تختر اعطاء تنازلات للمجتمع كي تنزع من أيدي الأميركيين ورقة الضغط عليها وإنما اعتبرت على العكس أن التطبيع أقصر الطرق لإرجاء فتح ملف الاصلاح والتخفيف من حدة الضغط الخارجي، خصوصاً بعدما لحظت أن الكلام الأميركي عن الديموقراطية يتفاوت من بلد عربي إلى آخر بحسب موقفه من الصراع العربي - الاسرائيلي. أليس غريباً أن تعتبر المسافة مع المجتمع المدني المحلي أبعد من المسافة مع اسرائيل التي لا يؤدي التطبيع معها في أي بلد عربي سوى لعزل الحكم عن العمق الشعبي؟ ألم يكن أجدى تحسين سجل حقوق الإنسان الذي لا يكلف السلطات شيئاً ويعزز جبهتها الداخلية بدل استخدام ورقة شارون واقياً من الضغوط وأساساً لمقايضة خاسرة سلفاً؟ ثم هل من المنطقي أن تقبل عشر بلدان عربية على المشاركة في القمة المقبلة وقد صاغت سياسات منفردة بناء على تقديراتها الخاصة لما اعتبرته تقدماً على المسار الفلسطيني من دون الانتظار حتى سماع الرؤية الأخرى، وبخاصة الفلسطينية منها، قبل اتخاذ موقف جماعي من كيفية استخدام ورقة الضغط الأخيرة المتبقية بأيدي العرب؟