العراق اكثر تعقيداً مما تصوّر الأميركيون. الشعب العراقي صعب المراس. يستحيل ان يطيق العراقيون العيش تحت الاحتلال وان يكن بدأ بإنقاذهم من نظام صدام حسين. يستحيل ان يرتضي العراقيون العيش في ظل سلطة تكون مجرد واجهة لإدامة الاحتلال باسماء اخرى. من لا يعرف هذه البديهيات لا يعرف العراق. وفي الوقت نفسه لا تستطيع دول المنطقة العيش بسلام واستقرار اذا كان العراق محتلاً. سيكون من الصعب على شعوب المنطقة هضم عراق تديره الإرادات الأجنبية. سيكون من الصعب على الاميركيين الإقامة طويلاً في عراق يلزمهم يومياً بإرسال النعوش الى بلادهم. من المتعذر على توني بلير الإبقاء على هذا التحالف المكلف فترة طويلة. الأمر نفسه بالنسبة الى الإيطاليين وغيرهم. كلفة الاحتلال المرتفعة عجلت في بلورة موعد 30 حزيران يونيو لنقل السلطة الى العراقيين. ساهمت ايضاً ردود الفعل الدولية والقناعة ان الحرب في العراق وفرت للارهاب ساحة وفرصة وعمقت في المنطقة مشاعر الكراهية. في الحساب الأميركي يمكن اعتبار 30 حزيران فرصة للتخلص من العبء الذي تشكله صفة الاحتلال. فرصة لاضطلاع العراقيين بدور اكبر وفرصة للاتكاء على دور للأمم المتحدة وقوة متعددة الجنسية. في المقابل يمكن تحويل 30 حزيران فرصة عراقية عن طريق دعم جهود الاخضر الابراهيمي. لا يمكن اجراء الانتخابات على دوي الانفجارات والاشتباكات بين "جيش المهدي" وقوات التحالف. مهمة الابراهيمي وحدها يمكن ان تفتح الباب ليس فقط لاختصار أمد الاحتلال، بل ايضاً لاختصار فترة الحاجة الى جيوش غير عراقية على أرض العراق. ولا نبالغ ان قلنا ان مهمة الابراهيمي هي الفرصة الأخيرة لإعادة القرار تدريجياً الى العراقيين. ويفترض ان تكون العودة كاملة غداة الانتخابات. لا بد هنا من الالتفات الى برامج المقاومات العراقية ومعها المقاومة التي يضطلع بها المقاتلون الجوالون. ولا اسرار في هذا المجال. رسالة اسامة بن لادن الأخيرة كانت شديدة الوضوح. مجلس الحكم العراقي في خانة الأعداء والمطلوب شطبه مع شطب كل من تعامل معه. الأممالمتحدة في خانة الأعداء وجائزة من يأتي برأس انان أو الابراهيمي ستكون من الذهب الخالص. وهنا يفترض ان يحصل الفرز بين الذين يريدون استعادة القرار العراقي وبين الذين يرون في الحريق العراقي فرصة لإغراق القوات الاميركية في حرب طويلة تنهكها وتؤدي في الوقت نفسه الى خلخلة استقرار دول الشرق الأوسط وانتاج أجيال جديدة من المقاتلين الجوّالين. دعم الابراهيمي لتحويل 30 حزيران فرصة لاستعادة القرار العراقي والسيادة العراقية يشكل تهديداً جدياً لبرنامج تحويل العراق مصنعاً لانتاج الانتحاريين على ان يعودوا لاحقاً الى بلدانهم وينفجروا فيها على غرار ما فعل من عادوا من افغانستان والبوسنة والشيشان. في هذا السياق يمكن فهم اغتيال رئيس مجلس الحكم امس. لاستكمال برنامج الحرب الطويلة لا بد من منع قيام هيئات عراقية ولا بد من تعطيل دور المنظمة الدولية ولا بد من منع توافق العراقيين على تصوّر لمستقبل بلدهم. يبقى ان 30 حزيران موعد شديد الأهمية لمستقبل العراق ومستقبل المنطقة ايضاً.