تحولت المملكة إلى محور لوجستي يقود استقرار الإمدادات الغذائية والتجارية في الخليج خلال 40 يومًا من التصعيد العسكري الذي سببته الحرب الأميركية الإسرائيلية ضد إيران من جهة، والاعتداءات الإيرانية السافرة ضد دول الخليج. وربطت خمسة مسارات برية من الطرق الدولية المملكة بدول الخليج، لتتحول شبكة الطرق السعودية إلى شريان اقتصادي استراتيجي حافظ على تدفق السلع في واحدة من أكثر الفترات توترًا التي شهدتها المنطقة خلال الأربعين يومًا الماضية، وفي وقتٍ تصاعدت فيه التوترات الإقليمية وما صاحبها من تهديدات للممرات الحيوية، برزت المملكة كركيزة استقرار لوجستي، مدعومة ببنية تحتية متقدمة مكّنتها من ضمان استمرار حركة النقل والتبادل التجاري دون انقطاع، ليس فقط محليًا، بل على امتداد دول الخليج. وتتبعت "الرياض" حجم تجارة السلع قبل تصاعد التوترات، وتحديدًا في شهر يناير 2026، حيث أظهرت بيانات الهيئة العامة للإحصاء أن الصادرات غير البترولية (شاملة إعادة التصدير) سجلت ارتفاعًا بنسبة 22.1 % مقارنة بالفترة المماثلة من العام السابق، مدفوعة بقفزة في السلع المعاد تصديرها التي ارتفعت بنسبة 95.5 %، في حين انخفضت الصادرات غير البترولية (باستثناء إعادة التصدير) بنسبة 9.9 %، كما تراجعت الصادرات البترولية بنسبة 6.4 %، مقابل ارتفاع إجمالي الصادرات السلعية بنسبة 1.4 %. وفي المقابل، سجلت الواردات ارتفاعًا بنسبة 6.5 %، ما يعكس استمرار الطلب المحلي وقوة النشاط الاقتصادي، فيما انخفض فائض الميزان التجاري بنسبة 17.5 %، في دلالة على تزايد حركة التبادل التجاري. كما ارتفعت نسبة الصادرات غير البترولية إلى الواردات لتصل إلى 40.0 % مقارنة ب 34.9 % في العام السابق، ما يعكس تحسن كفاءة الصادرات وتنويع الاقتصاد. وأظهرت البيانات أن الآلات والأجهزة والمعدات الكهربائية تصدّرت قائمة السلع في الصادرات غير البترولية بنسبة 24.2 % من إجماليها، مسجلة نموًا قويًا بلغ 77.5 %، كما تصدّرت أيضًا الواردات بنسبة 23.7 %، في مؤشر على ارتباط المملكة بسلاسل الإمداد الصناعية العالمية. وعلى صعيد الشركاء التجاريين، حافظت الصين على موقعها كأكبر وجهة للصادرات بنسبة 15.1 %، وأكبر مصدر للواردات بنسبة 31.0 %. ومع اندلاع التوترات، لعبت شبكة الطرق البرية دورًا حاسمًا في الحفاظ على هذا التوازن، حيث استمرت حركة الشاحنات عبر المنافذ بكفاءة عالية، خاصة عبر منفذ البطحاء الذي يُعد من أكبر المنافذ البرية، إضافة إلى جسر الملك فهد ومنفذ سلوى، ما أسهم في استمرار تدفق السلع الغذائية والمنتجات الأساسية دون انقطاع، وعزز من قدرة المملكة على دعم الأمن الغذائي إقليميًا. ويعكس هذا الأداء تحول المملكة إلى محور لوجستي متقدم، قادر على امتصاص الصدمات وإدارة حركة التجارة بكفاءة عالية، في وقت واجهت فيه بعض الممرات الأخرى تحديات متزايدة. وقال الخبير العقاري حسين النمر: "إن ما شهدته المنطقة خلال الفترة الماضية يؤكد أن البنية التحتية أصبحت عاملًا اقتصاديًا حاسمًا، وليس مجرد عنصر خدمي. المملكة، من خلال شبكة الطرق المتقدمة، أثبتت قدرتها على الحفاظ على استقرار الأسواق، وهو ما انعكس مباشرة على القطاع العقاري. ففي مثل هذه الظروف، عادة ما نشهد تذبذبًا في الأسعار نتيجة اضطرابات الإمدادات، لكن ما حدث هو العكس، حيث حافظت الأسواق على توازنها نتيجة استمرار تدفق السلع بشكل طبيعي". وأضاف "أن هذا الاستقرار عزز من ثقة المستثمرين، خصوصًا في المدن المرتبطة بالمحاور اللوجستية مثل المنطقة الشرقيةوالرياض، حيث بات القرب من الطرق الدولية والمنافذ البرية عنصرًا استثماريًا مهمًا. وأشار إلى أن المرحلة المقبلة ستشهد زيادة في الطلب على الأراضي الصناعية والمستودعات، في ظل إدراك متزايد لأهمية الموقع اللوجستي في استدامة الأعمال. وقال رجل الأعمال ومورد الفواكه والخضار حسين الشيخ: "إن التحدي الأكبر خلال فترة التوتر كان ضمان استمرار وصول المنتجات الطازجة إلى الأسواق دون تأخير، وهو ما تحقق بفضل كفاءة الطرق البرية والمنافذ السعودية. وأوضح أن القطاع يعتمد بشكل كبير على النقل السريع، خاصة في السلع سريعة التلف، مشيرًا إلى أن الانسيابية التي شهدتها حركة الشاحنات ساعدت في الحفاظ على جودة المنتجات وتقليل الفاقد". وأضاف "أن سرعة الإجراءات في المنافذ لعبت دورًا مهمًا في استقرار الإمدادات، حيث لم تتأثر الأسواق بشكل ملحوظ رغم الظروف الإقليمية، وهو ما انعكس على استقرار الأسعار وثقة المستهلك. وأكد أن التجربة أثبتت أن الاستثمار في البنية التحتية للطرق يمثل خط الدفاع الأول للأمن الغذائي، ليس فقط للمملكة، بل لدول الخليج بشكل عام.