هناك اغتيال آية الله محمد باقر الحكيم. وهناك ردود الفعل الغاضبة والشاجبة والمدينة. وهناك الاعتقالات وما تسرب عن هوية المنفذين. كل ما تقدم يجب أن يشكل انذاراً لثلاثة أطراف هم أهل المسرح الذي تدور عليه الأحداث، وأهل المنطقة التي تتأثر بالدوي العراقي، والطرف الثالث هو الولاياتالمتحدة التي شطبت نظام صدام حسين وفتحت المسرح العراقي على المجهول. تمثل مجزرة النجف انذاراً موجهاً الى العراقيين. ومفاد الانذار ان الوقت ينفد من بين أيديهم. وأن بلدهم مهدد بالتحول ساحة لحروب أكبر منه. وأن النزاعات التي تدور على أرضهم قد تطيح وحدة بلدهم أو توقظ داخل العراق خطوط تماس بين المذاهب وبين القوميات. من حق العراقيين أن يذكروا سلطات الاحتلال بمسؤولياتها كقوة احتلال، لكن من واجبهم أن يتذكروا مسؤولياتهم. فالعراقيون يواجهون مهمتين عاجلتين هما: اختصار فترة الاحتلال واغلاق الساحة العراقية أمام الباحثين عن فرصة للاشتباك مع الأميركيين. وإذا كانت الولاياتالمتحدة ارتكبت خطأ تغييب الدور العراقي في اسقاط صدام وما تلاه، فإن على العراقيين انتزاع مثل هذا الدور عن طريق التوافق على حد أدنى من التصور لعراق يتسع للجميع. ولا اعتقد بأن الأميركيين يستطيعون منع العراقيين من التوافق وتبادل التنازلات والضمانات لاختصار الاحتلال واغلاق الساحة. وجريمة النجف والاعتقالات وردود الفعل وبيان الحوزة العلمية تشكل انذاراً لأهل المنطقة أيضاً، ومفاد الانذار ان تحويل العراق ساحة يجعله مصدراً للخطر يفوق بمرات ما كانه في عهد صدام. فالاضطراب العراقي الذي لا نزال في بداياته ينذر بتصدير النار، فطبيعة الصراعات التي يهدد باطلاقها ليست من النوع الذي يمكن ضبطه عند الحدود الدولية. ان المنطقة التي تمكنت من التعايش مع "الساحة اللبنانية" والفوضى اللبنانية لا تستطيع التعايش مع "الساحة العراقية" و"الفوضى العراقية" لعوامل تتعلق بموقع العراق وتركيبته. وهذا يعني امتناع دول المنطقة عن صب الزيت على النار ومسارعتها الى دعم كل جهد لاختصار الاحتلال واغلاق الساحة العراقية. وجريمة النجف انذار موجه الى الولاياتالمتحدة. فالمزيد من الاحتلال ينذر بالمزيد من اليأس ومن الأجيال الشبيهة بمرتكبي 11 أيلول سبتمبر وبالمزيد من زعزعة الاستقرار. والخيار الأقل كلفة اختصار الاحتلال واغلاق الساحة عن طريق اعطاء دور حقيقي للأمم المتحدة في تسريع عملية نقل السلطة الى العراقيين. من جريمة النجف وما تلاها من اعتقالات وردود ومواقف، انطلقت ثلاثة انذارات لا بد من الالتفات سريعاً اليها قبل فوات الأوان. لا تستطيع المنطقة احتمال الفوضى العراقية الدامية ولا بد من منع العراق من الانتحار.