قبل شهور راود بعض اركان الادارة الاميركية حلم كبير وخطير مفاده ان اقامة نظام ديموقراطي في العراق على انقاض نظام صدام حسين يمكن ان تؤدي الى انتشار عدوى الديموقراطية في المنطقة. وهكذا بدت اطاحة صدام المرحلة الأولى من برنامج واسع يستهدف في النهاية معالجة بيئة الشرق الاوسط الحاضنة للعنف وضمان سلامة النفط وادخال دول المنطقة في العصر الأميركي وقيمه ومقاييسه. بعد أربعة شهور من سقوط نظام صدام يمكن القول ان هذا الحلم الاميركي تراجع ان لم يكن تبخر. ويرجع ذلك الى سلسلة الأخطاء التي ارتكبها المنتصرون وكذلك الى "حقائق" عراقية فاجأت المخططين. من المبكر اليوم الحديث عن تورط اميركي في العراق شبيه بالتورط في فيتنام. المسرح مختلف وكذلك المشهد الدولي. لكن يمكن الحديث بسهولة عن تخبط اميركي يمكن ان يقود استمراره الى تورط مكلف للاميركيين ودول المنطقة. في الأسابيع الماضية اتضح ان ثمة فرصة وحيدة لاختصار الاحتلال وتكاليفه الباهظة للأميركيين والعراقيين. وتتمثل هذه الفرصة في اللجوء الى الاممالمتحدة وتوسيع دورها في عملية استعادة العراقيين سيادتهم وقرارهم واعادة اعمار بلدهم. ولهذا السبب يبدو تفجير مقر الاممالمتحدة بمثابة محاولة اغتيال لهذه الفرصة. انه تفجير لصمام الامان الاخير الذي يمكن ان تشكله المنظمة الدولية. من ركام مقر الأممالمتحدة في بغداد ومن جثة سيرجيو دي ميلو ممثل انان تتضح ملامح البرنامج المضاد في العراق. برنامج يسعى هو الآخر الى تغيير المنطقة انطلاقاً من العراق نفسه، لكن عن طريق جعل الساحة العراقية فرصة لاشعال خط التماس بين العرب والمسلمين من جهة والولايات المتحدة والغرب عموماً من جهة اخرى. ويمكن القول هنا ان اسامة بن لادن عثر على فرصة ذهبية ساهمت الاخطاء الاميركية في توفيرها. انها حاله نموذجية: احتلال اميركي لدولة عربية وإسلامية ونزاع يوفر فرصة لاجتذاب المزيد من المجاهدين من العراق والدول المجاورة. نزاع يدور على الملعب النفطي وغير بعيد عن خط التماس الفلسطيني - الاسرائيلي الموعود بالعودة الى الالتهاب على انقاض "خريطة الطريق". لا يمكن حتى الساعة الجزم بهوية مفجري مقر الاممالمتحدة في بغداد. لكن الواضح هو ان حصوله يصب في خدمة دعاة تحويل الوضع العراقي الحريق كبير تلتهم نيرانه الوجود الاميركي في المنطقة ومعه استقرار الدول الحليفة لواشنطن او الصديقة لها. وهكذا بدلاً من ان يشكل غياب نظام صدام فرصة لخفض عوامل التوتر في المنطقة يحاول البرنامج المضاد جعل هذا الغياب فرصة لزعزعة الاستقرار عبر اطلاق مواجهة واسعة مع الغرب استكمالاً لما رمت اليه هجمات 11 ايلول سبتمبر. يمكن القول ان محاولة اغتيال دور الاممالمتحدة في العراق تشكل رسالة كبيرة وخطيرة. فهي تظهر اولاً ان القوات الاميركية عاجزة عن فرض الامن. وتعبر ثانياً عن رفض أي مخرج يمكن ان توفره المنظمة الدولية. وتنذر ثالثاً باستدراج المقاومة العراقية الى الحرب الشاملة التي كانت هجمات 11 أيلول الرصاصة الاولى فيها. وهي رابعاً لا تعد دول المنطقة إلا بالمزيد من التفجيرات على أيدي "العائدون من العراق". اننا في البدايات. والآتي اعظم.