تعيش كرة القدم اليوم تحوّلاً جذرياً يتجاوز التكتيكات واللياقة البدنية، ليمسّ اللبنة الأساسية لنجاح أي فريق وهي عقلية اللاعب، الذي لم يعد اللاعب الذي كان عليه قبل عقدين من الزمن؛ الجيل الجديد نشأ في عالم سريع تفاعلي، مفتوح الخيارات، ما فرض على المدربين والإداريين التوقف أمام سؤال محوري : هل يجب أن تتغير طريقة معاملة اللاعبين؟ الجواب الأقرب للواقع: نعم، لكن دون التفريط بالانضباط . اللاعبون الجدد تربّوا في بيئة مختلفة تمامًا. لاعب اليوم يدخل غرفة الملابس وهو يمتلك منصة إعلامية متكاملة في هاتفه. يعرف كل شيء، يرى كل شيء، ويتلقى الردود في ثوانٍ. وهذا ينعكس على طريقة تفكيره، وعلى حساسيته تجاه النقد، وعلى حاجته لفهم "السبب" قبل تنفيذ التعليمات. لم تعد عقلية "نفذ ولا تناقش" مجدية، وهو ما أدركه كبار المدربين مبكرًا . خذ مثالًا.. كارلو أنشيلوتي في ريال مدريد. سرّ نجاحه لا يكمن فقط في خبرته، بل في قدرته على قراءة شخصيات لاعبيه. تعامل مع فينيسيوس، ورودريغو، وكامافينغا بروح الأب لا العسكري؛ الحزم موجود، لكن اللغة ناعمة، والشرح واضح. بالمقابل، نشاهد ما يعاني تشابي ألونسو بعد حضوره بأسلوب وطريقة مختلفة عن أنشيلوتي ، كما شاهدنا مدربين آخرين فقدوا غرفة الملابس بسبب الأسلوب المتصلّب، مثل تجربة مورينيو مع مانشستر يونايتد، عندما اصطدمت شخصيته الحادة بحساسية جيل بوغبا ورفاقه. في المقابل، هنالك مدربون يظهرون الحدة داخل الملعب، لكنهم منصتون ومتفهمون خارجَه؛ ويعرفون كيف يرفعون سقف الانضباط دون أن فقدان احترام اللاعبين؛ حيث رأينا لاعبين يمرون تحت أيديهم بأفضل مراحل النضج الفني والذهني؛ لأنه عرفوا كيف يخاطبون جيلًا جديدًا بطريقة جديدة. إذن هل يعني ذلك أن نعامل اللاعبين بدلال زائد؟ إطلاقًا ، فالتفهّم لا يعني التساهل؛ بل يعني أن المدرب يدرك دوافع لاعبيه، يفهم احتياجاتهم النفسية، ويتواصل معهم بطريقة تناسب بيئتهم الجديدة؛ لذلك يجب أن يبقى الانضباط ثابتًا، لكن طريقة نقله هي التي يجب أن تتطور. كرة القدم لم تعد لعبة تعتمد على "الصوت العالي" بقدر ما تعتمد على "الإقناع" و"العلاقة"؛ فالمدرب الحديث هو مزيج من القائد والمعالج النفسي وخبير التواصل، وإذا أردنا نتائج أفضل، فعلينا الاعتراف بأن اللاعب الجديد ليس نسخة مطورة من لاعبي الأمس، بل عالم مختلف تمامًا، وفهم هذا العالم هو الخطوة الأولى لصناعة فريق ناجح.