- الرأى - بدرية عيسى - جازان : في أرضٍ اختلط فيها عبق التاريخ بصوت البحر وهمس الجبال، برزت أسماء لم تكن مجرّد عابرة في المكان، بل شكّلت جزءًا من ذاكرته وروحه. ومن بين هؤلاء، يجيء الأستاذ سلطان بن موسى ناصر المنقري بوصفه أحد الأصوات الثقافية التي اشتغلت على الإنسان والمكان بوعيٍ هادئ وأثرٍ عميق. وُلد المنقري عام 1973م بمحافظة أحد المسارحة التابعة لمنطقة جازان، ونشأ في بيئة ثرية بالحكايات الشعبية والتحوّلات الاجتماعية، انعكس حضورها لاحقًا في تجربته السردية والبحثية. حصل على درجة البكالوريوس في علم النفس من جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، وهو ما أسهم في تعميق نظرته للإنسان، وملامسة البعد النفسي في نصوصه القصصية. تنقّل المنقري بين عدد من المواقع الإدارية والإعلامية، حيث شغل منصب أمين المجلس المحلي بمحافظة أحد المسارحة، كما عمل مديرًا لمكتب جريدة البلاد بمنطقة جازان، وتولّى مسؤولية القسم الثقافي في صحيفة عكاظ بمكتب عسير، مسهمًا في تنشيط الحراك الثقافي وتسليط الضوء على الإبداع المحلي. وفي منجزه الإبداعي، أصدر مجموعتين قصصيتين هما: «مقاطع من سيرة المولش»، و*«أحاديث أولى عن المسافرة وخلقٍ آخرين»*، حيث تتجلّى عنايته بالتفاصيل الإنسانية، واشتغاله على الشخصيات الهامشية، واللغة المكثفة التي توازن بين السرد والتأمل. كما أصدر كتابه التوثيقي «محافظة أحد المسارحة: تاريخ، وجوه، شهادات»، الذي يُعدّ إسهامًا مهمًا في حفظ الذاكرة المحلية، وجمع شتات التاريخ الشفهي والاجتماعي للمحافظة في عملٍ توثيقي يجمع بين السرد والشهادة. وحاز المنقري جائزة أبها للثقافة عن مجموعته القصصية «مقاطع من سيرة المولش»، تقديرًا لتجربته السردية وتميّز صوته القصصي في المشهد الثقافي السعودي. يبقى سلطان المنقري نموذجًا للمثقف الذي جمع بين الإبداع والتوثيق، وبين العمل المؤسسي والاشتغال على الذاكرة، ليقدّم تجربة هادئة، لكنها راسخة، في سجلّ الثقافة المحلية والوطنية.