لم أكن أريد أن أكتب عن الحرب؛ لا لأنها بعيدة، بل لأن ثقتي بالله أولًا، ثم بدولتي وقيادتي ووطني وجنودنا، جعلت أثرها عندي في الأخبار أكثر منه في الحياة. لكنني حين رأيت ما أحدثته في الخارج، عدت إلى الأرقام المعلنة، لا إلى الانطباعات؛ عندها اتضح لي أن تداعيات الحرب لم تبقَ في محيطها، بل امتدت إلى العالم؛ ففي كوريا الجنوبية هبط ال«وون» إلى أدنى مستوياته منذ 2009. وفي الهند سجلت الروبية مستوى قياسيًا منخفضًا، وفي الولاياتالمتحدة اقترب متوسط البنزين من أربعة دولارات للجالون، ووصل أثر الاضطراب إلى أوروبا مع تصاعد مخاوف الطاقة والإمدادات وارتفاع تكلفتها. أما في مصر، وهي دولة محورية في الإقليم، فظهر الأثر أوضح؛ إذ تجاوز الدولار 52 جنيهًا في السعر الرسمي المعلن، وقفزت فاتورة واردات الطاقة الشهرية من 560 مليون دولار إلى 1.65 مليار دولار، وهذه ليست كل الأمثلة، لكنها تكفي لتقول إن الحرب علت آثارها في العملات والطاقة والأسواق في دول كثيرة. أما هنا، فالصورة التي أراها كمواطن مختلفة تمامًا؛ فالريال ما زال على حاله، والوقود ما زال بالسعر نفسه قبل الأزمة، والأسواق عامرة، والعروض والتخفيضات حاضرة، والحياة تمضي من غير الارتباك الذي رأيناه في أماكن أخرى؛ ولهذا أقولها كما أعيشها: أنا، ومن حولي، لم نشعر في حياتنا اليومية بالأثر الذي علا هناك بالصورة نفسها. بل إن مما سمعته من أكثر من مقيم، ورأيته في أحاديث بعضهم، أن قلقهم على أوطانهم صار أكبر من قلقهم على حياتهم هنا؛ وهذا وحده يكشف معنى كبيرًا؛ لأن الاستقرار الحقيقي لا يُقاس بالشعارات، بل بما يشعر به الناس في يومهم العادي، وبقدرتهم على أن يواصلوا حياتهم من غير خوف يفسد يومهم، ولا قلق يربك معيشتهم. وليس هذا الاستقرار أمرًا يقع من فراغ، فرغم ما تعرضت له السعودية من هجمات خلال السنوات الماضية، وفي هذه الأزمة أيضًا، بقيت قدرتها الدفاعية وحضور دولتها من أعظم أسباب حماية الوطن، بعد الله، وحفظ أمنه واستقراره. وهنا يظهر فضل القيادة، بعد فضل الله؛ فمثل هذا الثبات لا تصنعه المصادفة، بل تصنعه قيادة رشيدة، ودولة قوية، ومؤسسات تعرف واجبها، وقوات تحمي الوطن وتردع التهديد. والسعودية لم تكن مستقرة في داخلها فقط، بل كانت أيضًا عامل استقرار لمحيطها؛ لم تنكفئ على نفسها، ولم تتعامل مع الأزمة بوصفها شأنًا داخليًا فحسب، بل مدت يد العون إلى الخليج، وسهّلت الحركة والإمدادات، وتصرفت كما يليق بدولة تدرك ثقلها، وتشعر بمسؤوليتها، وتتعامل مع جوارها بروح أقرب إلى البلد الواحد من مجرد الجوار. وتبقى السعودية دولة مبدأ لا يتغير، بل يظهر أوضح ما يكون في الأزمات، وهي دولة شريفة لا تتاجر بالأزمات، ولا تجعلها مجالًا للمزايدة، بل تتعامل معها بمسؤولية تليق بثقلها، وتؤدي واجبها بهدوء وثبات. وإذا اشتدت الظروف، أرجأت الخلافات، وقدمت الدعم على الخصومة؛ لأنها تعرف قدر الأشقاء، وتحفظ حق الجوار، وتعين المحتاج إلى المساندة، وتترفع عن الغدر، وعن تحويل الأزمات إلى باب للابتزاز أو المتاجرة. لهذا فإن نعمة السعودية في مثل هذه الأزمات لا تظهر فقط في ثباتها، بل في الفارق بين من تصل إليه الحرب في معيشته، ومن لا تكاد تصله إلا في نشرات الأخبار، ثم في أنها، مع هذا الثبات، لا تنشغل بنفسها وحدها، بل تبقى سندًا لجوارها، وطمأنينة لأهلها، وصورة لوطن يعرف كيف يثبت حين يضطرب غيره. حمى الله السعودية وخليجنا، وأدام علينا أمننا وقيادتنا، ونصر جنودنا، وسدد رميهم.