تشهد المملكة العربية السعودية اليوم لحظة فارقة في تاريخها الاجتماعي لتبدأ عندها مرحلة تتشكل ملامحها بسرعة غير مسبوقة. فبين تحولات اقتصادية عميقة، وانفتاح ثقافي مدروس، وتغيرات في سوق العمل ونمط الحياة، يبرز جيل جديد من السعوديين أكثر وعيا بذاته، وأوسع أفقًا في طموحاته، وأقدر على التفاعل مع عالم متغير. جيل يعيد تعريف مفاهيم العمل والنجاح والمواطنة. لقد أسهمت الرؤية الوطنية المباركة وما صاحبها من إصلاحات اقتصادية وثقافية في إطلاق الطاقات البشرية الكامنة، وتحويل الطموح الفردي إلى مشروع وطني جامع. سعودي اليوم لا ينتظر الفرص، بل يصنعها ولا يكتفي بمواكبة التغيير، بل يشارك في قيادته، مستندًا إلى إرثه الثقافي وهويته الراسخة، ومنفتحًا في الوقت ذاته على آفاق المستقبل. وبين الاحتفاء المشروع بما تحقق، والتساؤل النقدي حول ما هو قيد التشكل، يصبح من الضروري التوقف عند ملامح «السعوديون الجُدُد» كما يفرضها الواقع لا كما يراد لها أن تُقدَّم. فليس الهدف هنا إطلاق توصيفات عامة بقدر ما نحاول تفكيك هذا المفهوم من خلال رصد التحولات الكبيرة وتحديدا فيما يتعلق بمنظومة القيم، ونمط التفكير، وعلاقة الفرد بالعمل والمجتمع، إضافة إلى أثر التعليم وسوق العمل والإعلام الجديد في إعادة صياغة هذه الهوية الجديدة. إنها وبكل وضوح قراءة لا تبحث عن إجابات جاهزة، بل تفتح المجال لفهم أعمق لمرحلة تعيد تشكيل الإنسان السعودي ودوره في الحاضر والمستقبل. وانطلاقًا من هذا الجدل، سنتناول في هذا المقال مفهوم «السعوديون الجُدُد» عبر عدة محاور رئيسية، بدءً بالتحولات الاجتماعية الكبرى، وتغير نظرة الفرد السعودي إلى العمل والطموح والاعتماد على الذات، مرورًا بدور التعليم والإعلام الرقمي في تشكيل الوعي الجمعي، ومشاركة الشباب والمرأة في المشهدين الاقتصادي والثقافي. سنحاول في سياق هذه السردية أن نتعرض إلى المحور السياسي، وذلك من خلال قراءة في مشهد السياسة الخارجية، وكيف أصبحت السعودية من خلال ما تملكه من إرث حضاري وثقافي وإمكانات اقتصادية ضخمة، بالإضافة إلى ما تتميز به من علاقات دولية مرموقة كلاعب رئيسي على المسرح الدولي، وقدرتها الفاعلة في التأثير على مجريات السياسة الدولية. سوف نختم رحلة هذا المقال بالمحور الاقتصادي الذي من خلاله سنحاول فهم التحول في بنيوية هيكل الاقتصاد الوطني. عودا على بدء، فيما يخص المحور الأول والمتعلق بالتحولات الاجتماعية العميقة، نود أن نذكر القارئ الكريم بأننا أمام قراءة معمقة لمشهد السعوديون الجدد، هذه العبارة في مفهومها العميق هي في حد ذاتها هوية تعيد تعريف نفسها. في الحقيقة إن هذا المصطلح لا يشير إلى جيل عمري محدد بقدر ما يصف حالة وعي جدي، حالة يتقدّم فيها الفرد خطوة إلى الأمام، لا ليُقصي الجماعة، بل ليعيد التفاوض مع موقعه داخلها. السعودي الجديد لا يرى تناقضًا بين كونه ابن بيئته المحلية ومواطنًا في عالم مفتوح. الهوية هنا لم تعد سورًا للحماية، بل إطارًا مرنًا يسمح بالحركة وهذا التحوّل يعكس ثقة متزايدة بالذات. لم تختفِ التقاليد من المشهد، لكنها فقدت موقعها كإجابات نهائية وتحوّلت إلى موضوع للنقاش، وأحيانًا للمساءلة. الاحترام ما زال حاضرًا لكن الامتثال الأعمى تراجع. السعوديون الجدد لا يرفضون الماضي، بل يعيدون قراءته وفق شروط الحاضر، يختارون منه ما يمنح حياتهم معنى، ويتجاوزون ما لم يعد قابلًا للحياة. هذه العلاقة التفاوضية مع التقاليد هي إحدى علامات التحول العميق: في المحصلة، وبكل تجرد المجتمع الذي يناقش إرثه هو في الحقيقة مجتمع ممتلئ بالحيوية. خلاصة الموضوع، السعودي الجديد ليس أقل انتماءً بل أكثر وعيًا بانتمائه، هو يحاول أن يعيش الحاضر دون أن يقطع خيطه مع الجذور. أما عن المحور المتعلق بنظرة الفرد السعودي إلى العمل والطموح والاعتماد على الذات. نستطيع القول بأنه لم تعد علاقة السعودي الجديد بالعمل كما كانت قبل عقد من الزمن، فبينما كان العمل يُفهم سابقًا بوصفه وظيفة مستقرة ضمن مسار واحد طويل، غالبًا ما ينتهي بالتقاعد. السعوديون الجدد لا ينظرون إلى العمل كوجهة نهائية، بل كرحلة قابلة لإعادة التشكيل، تُبنى فيها المهارات وتُعاد فيها صياغة الطموحات مع تغيّر الظروف والفرص. هذا التحول انعكس بوضوح على مفهوم الطموح، فبعد أن كان مرتبطًا بالمسمّى الوظيفي أو المكانة الاجتماعية، بات اليوم أقرب إلى فكرة الإنجاز والتأثير. أما الاعتماد على الذات فقد انتقل من كونه استجابة لضرورة اقتصادية إلى كونه قيمة اجتماعية متصاعدة، فالفرد السعودي الجديد يسعى إلى الاستقلال لا لأنه مضطر، بل لأنه يرى في ذلك تعبيرًا عن النضج والمسؤولية، لم يعد الاكتفاء بالدعم المؤسسي أو الأسري كافيًا لتكوين شعور بالإنجاز، بل باتت المبادرة الفردية عنصرًا أساسيًا في بناء الهوية المهنية والشخصية. في المجمل، تعكس هذه التحولات ملامح جيل يعيد صياغة علاقته بالعمل والطموح والاستقلال، جيل لا يكتفي بانتظار الفرص، بل يسعى إلى صناعتها، ويعيد تعريف النجاح وفق معاييره الخاصة، في سياق اجتماعي واقتصادي يتغير بوتيرة متسارعة. يبقى دور التعليم والإعلام الرقمي في تشكيل الوعي الجمعي، ومشاركة الشباب والمرأة في المشهد الاقتصادي والثقافي من أهم المحاور التي سنتعرض لها بشيء من التفصيل، حيث لم يعد الحديث عن التحولات الاجتماعية والاقتصادية في المملكة ممكناً دون التوقف عند دور التعليم والإعلام الرقمي بوصفهما عاملين حاسمين في إعادة تشكيل الوعي الجمعي، وصياغة ملامح ما يمكن تسميته بالسعوديين الجدد. فهذان القطاعان لم يقوما بدور داعم للتغيير فحسب، بل كانا في قلبه. ففي جانب التعليم، شهدت المملكة انتقالاً تدريجياً من نموذج قائم على التلقين إلى نموذج يركز على بناء المهارات، وتنمية التفكير النقدي، وربط المعرفة بالواقع الاقتصادي والثقافي. هذا التحول أسهم في إنتاج جيل أكثر وعياً بذاته، وأكثر استعداداً للمبادرة والمشاركة في صناعة الفرص بدلاً من انتظارها، ولم يعد التعليم أداة للاندماج في سوق العمل، بل وسيلة لبناء هوية جديدة للمواطن، تقوم على الكفاءة والطموح والانفتاح الواعي على العالم، وقد كان لتمكين المرأة تعليمياً أثر بالغ في هذا التحول. فالتوسع في التعليم العالي، وتنوع التخصصات النوعية، أتاح للمرأة السعودية أن تنتقل من هامش المشهد الاقتصادي والثقافي إلى مركزه، مشاركةً في الإنتاج، وصناعة القرار، وتشكيل الذائقة العامة. هذه المشاركة لم تكن نتيجة قرارات إدارية فقط، بل ثمرة تراكم معرفي وتعليمي طويل. أما فيما يتعلق بالإعلام الرقمي، فقد لعب دوراً مكملاً وأكثر ديناميكية، إذ أسهم في كسر احتكار الخطاب التقليدي، وفتح المجال أمام تعدد السرديات والأصوات عبر المنصات الرقمية. إجمالا، لم يكن التعليم والإعلام الرقمي مجرد أدوات تحديث، بل كانا ركيزتين أساسيتين في إعادة تشكيل الوعي الجمعي السعودي. في الخلاصة نستطيع القول بأنه تعليم يصنع الإنسان القادر، وإعلام يمنحه الصوت والمساحة. وبين الاثنين، تبلورت ملامح السعوديين الجدد: جيل شاب، وامرأة شريكة، يشاركان بثقة في صياغة المستقبل الاقتصادي والثقافي للمملكة.