لم يعد التحوّل الذي شهدته مدن المملكة خلال العقود الأخيرة تحوّلًا يمكن اختزاله في اتساع الشوارع أو ارتفاع المباني أو تنوّع الخدمات، فالمشهد الحضري اليوم يكشف عن تغيّر أعمق، تغيّر طال نمط الحياة ذاته، وأعاد تشكيل علاقة الإنسان بالمكان وبالزمن وبالآخرين، والمدينة بالمملكة لم تعد مجرد إطار للسكن والعمل، بل أصبحت فاعلًا رئيساً في تشكيل الوعي الاجتماعي، والسلوك اليومي، وأنماط التفكير، فحين ننظر إلى مدننا اليوم، فإننا لا نرى فقط حاضرًا متسارعًا، بل نقرأ طبقات من التاريخ والتحوّل، كان ماضٍ بسيط تحكمه الجماعة، وحاضر معقّد تقوده التقنية والتنمية، ومستقبل يُعاد تصميمه وفق رؤى طموحة تضع الإنسان في قلب المشهد، وبين هذه الطبقات، تتشكل قصة التحوّل الحضري السعودي، قصة لا يمكن فهمها دون العودة إلى الأرقام، لا بوصفها بيانات جامدة، بل بوصفها شواهد على تغيّر الحياة نفسها، فالمدينة قديمًا حين كان المكان مجتمعًا قبل نحو ستة عقود، لم تكن النمط السائد للعيش، ففي مطلع ستينيات القرن الماضي، كان أقل من ثلث سكان المملكة يعيشون في المدن، بينما كانت الغالبية تقيم في القرى والهجر والمناطق الزراعية والرعوية، وكانت الحياة آنذاك موزعة على مساحات صغيرة، ذات كثافة سكانية محدودة، وعلاقات اجتماعية متداخلة. تلقائية وبساطة لقد كانت المدينة في المملكة، حتى في كبرى حواضرها آنذاك، أقرب إلى مجتمع صغير متماسك، لا إلى كيان عمراني واسع، فأعداد السكان كانت محدود، والأحياء معروفة بحدودها وأسمائها، والوجوه مألوفة لا تغيب عن الذاكرة، ولم يكن الحي مجرد تقسيم مكاني للسكن، بل كان وحدة اجتماعية متكاملة، تُدار فيها شؤون الحياة اليومية بتلقائية وبساطة، فالمسجد، والسوق، والمجلس، شكّلت معًا قلب الحي النابض؛ ومنها تنطلق العلاقات، وفيها تُحل الخلافات، وعلى أرضيتها تُبنى الثقة والتكافل، وهذا النمط الاجتماعي انعكس بوضوح على أسلوب العيش، فالبيوت متجاورة، تفصلها مسافات قصيرة، وغالبًا ما تكون مفتوحة على بعضها البعض، سواء في الشكل المعماري أو في نمط الحياة، وكانت الخصوصية أقل حضورًا بمفهومها الحديث، لكنها كانت تُعوّض بقرب إنساني عميق، حيث يعرف الجار أحوال جاره، وتُمارس المشاركة بوصفها سلوكًا يوميًا لا استثناءً، والأسرة الممتدة شكّلت الإطار الطبيعي للحياة، والقرارات الكبرى، من العمل إلى الزواج، كانت تُتخذ بروح جماعية، ويُنظر إلى الفرد بوصفه جزءًا من نسيج اجتماعي أوسع، لا ككيان مستقل بذاته، والأرقام في هذا السياق لا تعبّر فقط عن توزيع سكاني، بل تكشف عن إيقاع حياة كامل، فعندما يعيش نحو 70% من المجتمع خارج المدن، يصبح الزمن أبطأ، وتغدو الحياة أكثر ارتباطًا بالمواسم الزراعية، والعمل اليدوي، والظروف الطبيعية، ولم يكن الاستهلاك مرتفعًا، ولم تكن الخيارات متعددة، لكن الشعور بالاستقرار النفسي والاجتماعي كان جزءًا أصيلًا من هذا النمط البسيط، الذي منح المكان معناه، ومنح الإنسان شعوره بالانتماء. طفرة اقتصادية وحين بدأت المدن بالمملكة تتضخم مع الطفرة الاقتصادية في السبعينيات، بدأ المشهد يتغيّر بوتيرة سريعة، فخلال أقل من عقدين، تضاعف عدد السكان في المدن، وارتفعت نسبة التحضّر من أقل من 30% إلى أكثر من 50%، ولم يكن هذا التحوّل تدريجيًا فقط، بل كان صادمًا في سرعته وتأثيره، وشقّت الطرق، وبُنيت الأحياء الحديثة، وانتقلت أعداد كبيرة من السكان من القرى إلى المدن بحثًا عن العمل، والتعليم، والخدمات، ومع نهاية الثمانينيات، كان أكثر من ثلثي سكان المملكة يعيشون في المدن، وهذا التحوّل الديموغرافي السريع أعاد تشكيل الحياة اليومية بشكل جذري، فالمدينة لم تعد مركزًا واحدًا، بل بدأت تتشظى إلى أحياء، وضواحٍ، ومناطق متخصصة، ومع هذا التوسع، تغيّر مفهوم القرب، فالمسافة التي كانت تُقطع سيرًا على الأقدام، أصبحت تُقطع بالسيارة، وأحيانًا تحتاج إلى وقت طويل، والزمن نفسه بدأ يتغير، وأصبح أكثر ارتباطًا بالعمل والمواعيد والالتزامات، ومن الثمانينيات إلى الألفية أضحت المدينة تفرض نمطها، ومع دخول التسعينيات، أصبحت المدن الإطار الرئيس للحياة، وتجاوزت نسبة السكان الحضريين 70%، ومع مطلع الألفية الجديدة اقتربت من 80%، وهذه النسبة تعني أن المدينة لم تعد خيارًا، بل أصبحت الواقع الغالب، وفي هذه المرحلة، تغيّر مفهوم السكن بشكل واضح، ولم يعد البيت يجمع الأسرة الممتدة، بل بدأ نمط الأسرة النووية يفرض نفسه، فالشقق السكنية، والفلل المستقلة، والمخططات الحديثة، غيّرت شكل العلاقة بين الجيران، وارتفعت الخصوصية، لكنها جاءت على حساب التواصل اليومي العفوي، والأرقام هنا تكشف تحوّلًا اجتماعيًا مهمًا، فحين يعيش أربعة من كل خمسة أشخاص في المدن، فإن العلاقات لا يمكن أن تبقى بنفس كثافتها القديمة، والمدينة الكبيرة تفرض تنظيمًا مختلفًا للعلاقات، وتجعلها أكثر انتقائية وأقل تلقائية، والمدينة الحديثة أصبحت بإيقاع أسرع وأرقام أعلى اليوم، وتشير المؤشرات السكانية إلى أن أكثر من 85% من سكان المملكة يعيشون في المناطق الحضرية، أي أن المجتمع السعودي أصبح في معظمه مجتمعًا مدينيًا خلال أقل من سبعين عامًا. تغيّر نمط الحياة باتساع المُدن وسيط أساسي هذا التحوّل السريع يُعد من أسرع التحولات الحضرية في العالم، وهذا الرقم لا يعكس فقط مكان السكن، بل يعكس نمط الحياة بأكمله، فالمدينة الحديثة تعمل على مدار الساعة، والخدمات متاحة في أي وقت، والعمل لم يعد محصورًا في مكان واحد، والتقنية أصبحت وسيطًا أساسيًا في تفاصيل الحياة اليومية، ووسائل التواصل الاجتماعي -على سبيل المثال- غيّرت شكل العلاقات، ففي الماضي، كانت العلاقات تُبنى عبر اللقاء اليومي، واليوم تُدار نسبة كبيرة منها عبر الشاشات، وعلى الرغم أن هذه الوسائل وسّعت دائرة التواصل، فإنها غيّرت عمقه وطبيعته، وفي العمل والتحوّل المهني كانت غالبية الوظائف في المدن مرتبطة بالقطاع الحكومي أو الأعمال التقليدية، أما اليوم، فقد تغيّر المشهد المهني بشكل واضح، وتنوّعت الوظائف، وبرزت ريادة الأعمال، والعمل الحر، والوظائف الرقمية، والعمل عن بُعد، وهذا التحوّل المهني انعكس على نمط الحياة، ولم يعد اليوم الوظيفي ثابتًا كما كان، ولم يعد مكان العمل واحدًا، فالزمن أصبح مرنًا، لكنه في الوقت ذاته أكثر ضغطًا، ومع ارتفاع نسبة السكان الحضريين، ارتفعت المنافسة، وتغيّرت طموحات الأفراد، وأصبحت المدينة ساحة لتحقيق الذات، لا مجرد مكان للرزق، والتحوّل الاجتماعي أصبح من الجماعة إلى الفرد، في واحدة من أبرز نتائج التحوّل الحضري وهي بروز الفردانية، ففي المدن القديمة، كان القرار جماعيًا، واليوم أصبح أكثر فردية، وارتفعت مساحة الاختيار الشخصي، سواء في التعليم، أو العمل، أو نمط الحياة، ولكن هذا التحوّل لا يعني اختفاء القيم، فالقيم الاجتماعية ما زالت حاضرة، لكنها تغيّرت في طرق التعبير عنها، والتكافل، على سبيل المثال، لم يعد محصورًا في الحي، بل أصبح مؤسسيًا ومنظمًا عبر جمعيات ومنصات رقمية، والكرم لم يعد مرتبطًا بالمجلس فقط، بل بالمبادرات المجتمعية والعمل التطوعي، وفيما يتعلق بالمرأة تكشف الأرقام أيضًا عن تحوّل جوهري في دورها داخل المدينة، فمشاركة المرأة في سوق العمل ارتفعت بشكل ملحوظ خلال العقود الأخيرة، وأصبحت جزءًا فاعلًا من المشهد الحضري، وحضورها في الفضاء العام، والتعليم، والاقتصاد. خيارات الترفيه وفي الماضي، كانت خيارات الترفيه محدودة، وغالبًا ما ترتبط بالمناسبات الاجتماعية أو الأنشطة البسيطة، واليوم تغيّر المشهد بشكل جذري، فالمدن بالمملكة تشهد مواسم ثقافية، وفعاليات فنية، ومسارح، وسينما، وحدائق عامة، ومناطق مفتوحة، وهذا التحوّل يعكس تغيرًا في مفهوم جودة الحياة، فالترفيه لم يعد ترفًا، بل عنصرًا أساسيًا في الحياة الحضرية ومع ارتفاع نسبة السكان في المدن، أصبحت هذه الأنشطة جزءًا من التخطيط الحضري، لا إضافة هامشية، وتأتي رؤية 2030 لتضع هذا التحوّل ضمن إطار واضح، فقد جعلت الإنسان محور التنمية، وربطت المدينة بجودة الحياة، لا بالبنية التحتية فقط، والمشاريع الكبرى مثل المدن الجديدة والمشاريع العملاقة، لا تغيّر المكان فحسب، بل تعيد تشكيل نمط الحياة بالكامل، وهذه المشاريع تستهدف مستقبلًا يعيش فيه أغلب السكان في مدن ذكية، مستدامة، ومصممة للإنسان، ومع التوقعات بوصول نسبة التحضّر إلى ما يقارب 90% أو أكثر خلال السنوات القادمة، تصبح المدينة هي الإطار شبه الوحيد للحياة الاجتماعية والاقتصادية، وتعتبر التحديات الوجه الآخر للأرقام، ورغم كل هذه الإيجابيات، تكشف الأرقام أيضًا عن تحديات حقيقية، فالحياة السريعة تفرض ضغوطًا نفسية، وضعف التواصل المباشر قد يؤثر على الترابط الاجتماعي، والتوازن بين التقنية والإنسان يصبح أكثر تعقيدًا، ولكن هذه التحديات لا تُلغِي التحوّل، لكنها تضعه في سياقه الطبيعي، فالمدينة الحديثة ليست مثالية، لكنها نتاج مسار تنموي طويل، يحمل فرصًا وتحديات في آن واحد، وحين نقارن الماضي بالحاضر بالأرقام، ندرك أن التحوّل لم يكن قطيعة، بل انتقالًا من مجتمع كان ثلثه فقط يعيش في المدن، إلى مجتمع أصبح أكثر من أربعة أخماسه مدينيًا، من حياة بطيئة تقوم على القرب، إلى حياة سريعة تقوم على التنظيم والتقنية. إعادة صياغة وفي العمق لم تكن التحولات المتسارعة التي شهدتها مدن المملكة خلال العقود الأخيرة قطيعة مع القيم، بقدر ما كانت إعادة صياغة لها في سياق حضري جديد، فالمدينة رغم اتساعها الأفقي والعمودي، وتبدّل ملامحها العمرانية، ما زالت تحمل في نسيجها الاجتماعي روح المجتمع، وإن تغيّرت أشكال التعبير عنها، فالحي لم يعد كما كان، والساحة المفتوحة استبدلت بالمراكز التجارية، والمجلس التقليدي اتخذ أشكالًا جديدة، لكن جوهر العلاقات، وقيم التراحم والتكافل والانتماء، ظل حاضرًا بطرق مختلفة وأكثر تنوعًا، كما أن التحوّل الحضري في المملكة لا يمكن اختزاله في طرق سريعة أو أبراج شاهقة أو أرقام سكانية متصاعدة، بل هو بالأساس تحوّل إنساني عميق، فقصة مجتمع انتقل خلال فترة زمنية قصيرة نسبيًا من نمط حياة بسيط ومترابط مكانيًا، إلى نمط أكثر تعقيدًا واتساعًا، حيث تباعدت المسافات، وتسارعت الإيقاعات، وتعددت الأدوار الاجتماعية، وهذا التحوّل فرض تحديات جديدة على الفرد والأسرة، لكنه في المقابل فتح آفاقًا أوسع للتعليم والعمل والابتكار، وأسهم في إعادة تعريف مفهوم المدينة بوصفها مساحة للفرص لا مجرد مكان للسكن، والأرقام والمؤشرات التنموية ترصد هذا التحول بدقة؛ من معدلات التحضر، إلى نمو البنية التحتية، إلى تطور الخدمات ونوعية الحياة، غير أن القراءة الأعمق تكشف أن التحدي الحقيقي لا يكمن في البناء، بل في الحفاظ على الإنسان في قلب هذا البناء، فالتقنية، رغم سطوتها، لا تزال بحاجة إلى قيم توجهها، والمدينة، مهما بلغت حداثتها، تظل محتاجة إلى روح تحمي توازنها الاجتماعي، وبين ماضٍ بسيط وحاضر متقدم، تكتب مدن المملكة فصلًا جديدًا من حكاية الإنسان والمكان؛ فصلًا لا يبحث عن المفاضلة بين الأصالة والحداثة، بل عن صيغة ذكية للتعايش بينهما، هو بحث عن توازن يتجاوز ثنائية المدينة والريف، ليشمل العلاقة بين التقنية والقيم، وبين سرعة العصر وعمق الحياة، في تجربة حضرية سعودية تتشكل بثقة، وتتحرك نحو المستقبل دون أن تفقد جذورها. المدينة الحديثة تعمل على مدار الساعة والخدمات متاحة في أي وقت الترفيه لم يعد ترفًا بل عنصر أساسي في الحياة الحضرية مع الطفرة تضاعف عدد السكان وشقّت الطرق وبُنيت الأحياء الحديثة وسائل التواصل الاجتماعي غيّرت شكل العلاقات حالياً