لو أحسن الأدب الرسمي استقبال ألف ليلة، فلربما تطورت القصة في المقامة، ولم تقف عند الحد الذى بلغته أيام منشئيها، الذى ما لبثت أن تجمدت عنده ثم أخذت في الانحدار. تصف ألف ليلة وليلة المحتالة بأنها «صاحبة حيل وخداع ومناصف»، وتضيف: أنها كانت تتحايل على الثعبان حتى تطلعه من وكره. وكان إبليس يتعلم منها المكر. وقد كان للعجوز الماكرة عز وجاه ذات يوم. كان زوجها مقدمًا سابقًا لبغداد، وكان أيضا براجًا عند الخليفة، يربي الحمام الزاجل ويتعهده لسيده لقاء راتب قدره ألف دينار في الشهر. ويبدو أن هذا العز قد زايل دليلة وزوجها. لهذا ما إن يتردد صوت المنادي في بغداد معلنًا أن الميمنة في عاصمة الرشيد قد أصبحت من نصيب أحمد الدنف وأن الميسرة قد صارت لحسن شومان، حتى تلسع الكلمات ابنة دليلة الطموح زينب». فتقول لأمها: «انظري يا أمي، هذا أحمد جاء من مصر مطروداً ولعب مناصفاً في بغداد إلى أن تقرب عند الخليفة وبقي مقدم الميمنة، وهذا الولد الأقرع حسن شومان مقدم الميسرة، وله سماط في الغداء وسماط في العشاء ولهما (جوامك) (مخصصات) لكل واحد منهما ألف دينار في كل شهر، ونحن معطلون في هذا البيت لا مقام لنا ولا حرمة وليس لنا من يسأل عنا». ومن ثم تهيب زينب بأمها أن تقوم من فورها وتصطنع الحيل والمناصف، لعمل صيتها يشيع في بغداد من جديد فتكون لهما جامكيه الوالد المعزول. وتقبل دليلة العرض في التو وتعد ابنتها بأن تلعب في بغداد مناصف أقوى من مناصف أحمد الدنف وحسن شومان. ومن ثم تظل شهرزاد تسرد على مسامع مولاها الملك شهريار مغامرات هذه السيدة العجيبة ابتداء من الليلة السابعة والثلاثين بعد الستمائة، فينشأ بهذا شيء جديد في الأدب الشعبي العربي، إذ يجد المحتال قصة ممتدة تسع مغامراته جميعاً بعد أن كان نشاطه محدوداً بحدود المقامة الواحدة على أيام البديع والحريري. ومع المجال الفسيح، تأخذ شخصيته بعض البعد، وتتضح له نوايا وأغراض غير مجرد الاحتيال. فهذه دليلة وابنتها زينب لا تقومان بالاحتيال لوجه الاحتيال ولكن: استردادا لعز غابر، ورغبة في تحدي جيل الرجال. ما لم تفعله المقامة في أيام البديع والحريري. فعله القاص الشعبي المصري. أعطى المحتال القصة المتصلة وإمكانية التطور. ولو كان الأدب الرسمي، أحسن استقبال ألف ليلة، فلربما تطورت القصة في المقامة هي الأخرى، ولم تقف عند الحد الذى بلغته أيام منشئيها الكبيرين، الذى ما لبثت أن تجمدت عنده ثم أخذت في الانحدار. لو أن الأدب الرسمي لم ينظر إلى ألف ليلة على أنها عمل سوقي لا يرضي إلا أراذل الناس ولا يستأهل حتى مجرد النظر فيه، مما احتاج الأدب العربي الرسمي أن ينتظر عدة قرون، حتى يهل القرن العشرون، فيأخذ محمد المويلحي على استحياء يحول المقامة إلى رواية، تظهر فيها شخصية المحتال داخل سلسلة من المغامرات، وإن لم ينفرد المحتال بالرواية كلها كما حدث في الغرب. 1971* * كاتب مصري (1920 - 1999)