قيل في الجاهلية على لسان عنترة: وأغضّ طرفي ما بدت لي جارتي ... حتى يواري جارتي مأواها في ناموس الخلق، جعل الله الإنسان كائناً «يأنس» بغيره، ولم يجعل السكن في لغة العرب مجرد بناءٍ يؤوي الجسد، بل سمّاه «سكناً»، لأنه مكمن طمأنينة الروح. ومن ألطف أسرار هذا السكن أن جعل الله «الجار» شريكاً في هواء دارك، وشاهداً على تفاصيل نهارك، بل وجعل حقّه معلقاً بذمتك حتى كاد يزاحم ذوي القربى في الميراث. إن الجيرة في ميزان الإسلام ليست «مساكنةً اضطرارية»، بل هي «ولايةٌ إيمانية». الجار هو «أخٌ نزل به القدر»، فاختاره الله ليكون أقرب الناس إلى بابك في ساعة الضيق، وهنا يتجلى الإتقان البشري المصبوغ بصبغة الوحي في «فقه الستر»؛ فالجار الصالح هو مَن اتخذ من جدار جاره محراباً للصمت، فلا تسبق عينه بصره إلى عورة، ولا تخترق أذنه حجب البيوت لتلتقط سراً. إنه يمارس عبادة «التغافل» بيقين العارفين، مدركاً أن إكرام الجار من إكرام خالق الجار. وحين أرشدنا المصطفى صلى الله عليه وسلم إلى «الهدية» في سياق الجوار، لم يكن يهدف إلى إغناء الفقير فحسب، بل إلى «تأليف الأرواح». إن «المرقة» التي كثر ماؤها لتصل إلى الجيران هي في الحقيقة «رابطة دمٍ اجتماعية» تضخ المودة في عروق الحي. الهدية بين الجيران هي القربان الذي يذبح الأنانية على عتبة الباب، وهي الرسالة المشفرة التي تقول: «إن نالك الضيم فنالي منه نصيب، وإن مسك السرور فإني لك شريك». بهذا الفقه، يتحول «طبق الطعام» من مادةٍ تُؤكل إلى «ميثاق غليظ» يُحفظ. إن القمة في إتقان الجيرة لا تقف عند الإحسان، بل تكتمل في «نبل الاحتمال». ليس الجار الصالح من لا يؤذي جاره فحسب، بل هو الذي يصبر على أذى جاره صبراً جميلاً، محتسباً ذلك قربةً إلى الله. إنه يدرك أن «الجدار» الذي يفصل بينهما هو أهون بكثير من «الجفاء» الذي قد يفرق بين قلبيهما. هو يرى في جاره إنساناً يخطئ ويصيب، فيستر الخلل، ويجبر الكسر، ويغض الطرف عن الزلل ترفعاً. إننا اليوم بحاجة إلى نفض الغبار عن هذا الحق المهجور. إن «السر البشري» الذي يجعل من الحي جنةً مصغرة ليس في اتساع الشوارع ولا في فخامة الواجهات، بل في «نقاء النيات» خلف الأبواب. الجار هو مِرآتك التي لا تكذب، فإذا أردت أن تعرف قدرك عند الله، فانظر إلى قدر جارك في قلبك. فلنجعل من بيوتنا قلاعاً للمودة لا حصوناً للعزلة، ولنتذكر دائماً أن المرء قد يرحل عن داره، لكن «أثره» في قلب جاره يظل خالداً في صحائف النور، شاهداً له بين يدي الغفور.