بات من الضروري اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إعادة النظر في طريقة الإعداد للزواج، بعد أن كشفت أرقام الطلاق المتصاعدة حجم الخلل في بناء الأسرة من جذورها، فحين تسجل الإحصاءات قرابة 57.900 حالة طلاق في ستة أشهر فقط، وبمعدل 167 حالة يوميًا؛ أي 9 حالات طلاق في الدقيقة؛ فإننا لا نتحدث عن حالات فردية، بل عن مؤشر خطير يهدد استقرار المجتمع بأكمله. الزواج لم يعد مجرد عقد شرعي أو توافق عاطفي عابر، بل مشروع حياة طويل يحتاج إلى وعي، وتأهيل، وفهم عميق لطبيعة العلاقة الزوجية، من هنا تبرز الحاجة الملحّة إلى دورات إلزامية للمقبلين على الزواج، تُعنى بثقافة الحياة الزوجية، وتؤسس لمفاهيم المودة، والرحمة، والتفاهم، وتعلّم مهارات الحوار، وإدارة الخلاف، واحتواء الأزمات قبل أن تتحول إلى قطيعة أو طلاق. وجعل هذه الدورات شرطًا ملزمًا، كشأن الشهادة الصحية، لإتمام الزواج، وهذا الإجراء ليس تقييدًا للحرية، بل حماية للأسرة والمجتمع، واستثمار في الاستقرار الاجتماعي، فكما نحرص على سلامة الجسد قبل الزواج، يجب أن نحرص على سلامة الفكر وتعزيز الثقافة الزوجية، والنفس، وطريقة إدارة العلاقة بين طرفي الزواج. غياب الوعي الزوجي لا ينعكس فقط في ارتفاع الطلاق، بل يسهم في تأخر الزواج، وزيادة العزوف، وارتفاع معدلات العنوسة، خوفًا من تجربة غير مضمونة، الأسرة القوية لا تُبنى بالنية الحسنة وحدها، بل بالعلم، والتأهيل، والاستعداد الحقيقي لتحمل مسؤولية الشراكة.