ثقافة الصمود والاستمرارية والإيمان بالذات والمبادئ، تأتي تحت إلحاح الغايات العليا للإنسان والطاقة الإيجابية التي ترفع الحجب عن المستقبل، وكأننا نراه مهما حجبته غيوم الشك، وذلك يحدث حتما عندما نكون مؤمنين بما نفعل، وبما ندير بكل إدراك ووعي، بعيدًا عن الإغراق في الخيال، ودون إهمال المعوقات والتغافل عنها، بل وضعها في الإطار الصحيح من مشهد الحياة اليومية من غير إفراط أو تفريط. تلك المقدمة لربما هي مايمكن التفكير فيه لتفسير ما قام به ساديو ماني مع منتخب السنغال في مباريات البطولة الأفريقية الأخيرة، خصوصًا في المباراة النهائية في هذه البطولة التي اُختتمت أحداثها مؤخرًا في دولة المغرب الشقيقة. أدى هذا اللاعب أدواره في الملعب كغيره من اللاعبين في البطولة كفرد وكجزء من منظومة، بل لربما أن البعض قد تفوق عليه في الأداء الحركي والكروي أحيانًا، ولكن حكايته الأعظم التي ستروى لمئات الأعوام، جاءت عبر الحدث الذي كاد يعصف بالبطولة، فتحول إلى أعظم لحظاتها. يتذكر الجميع تلك اللحظات عندما انسحب المنتخب السنغالي من الملعب بتوجيه من المدرب، مهدداً بترك المبارة بعد أن فُسر أحد قرارات الحكم بالإجحاف، وفي الوقت الذي اجتاحت الملعب مشاعر متناقضة يملؤها الشك والخوف والغضب، ولاحت في أفق البطولة ملامح الانهيار والفشل، ظهر ساديو ماني قويًا فخمًا آسرًا بصورة فريدة غير مسبوقة في الوقت الأكثر حرجًا في المباراة، حيث استحضر ماني كل المثل والمبادئ والأخلاق الرياضية دفعة واحدة، واستحضر أيضًا روح البطولة التي تتجاوز حسابات الفوز والخسارة، وأعاد لاعبي المنتخب السنغالي إلى ساحة الملعب بعد جولة من تحفيز المشاعر، والحوارات الملهمة مع زملائه فارتقى بالبطولة إلى أبعد مدى من السمو والجمال، وعاد فائزا بكل شيء؛ البطولة والشخصية والقيادة. تعودنا من معظم اللاعبين أن نضعهم دائمًا في مساحات المقارنة الرياضية ومنجزات البطولات والنقاط والأهداف، ولكن يبدو أننا أمام مفترق طرق، يعيد فيه هذا اللاعب تحديد اتجاه البوصلة نحو منصة فخمة للتفوق والخلود، عنوانها المبادئ والسلوك الرياضي الهادئ المطمئن المؤمن بالإنسان، الذي يعيد تعريف مفاهيم الفوز والخسارة، لتصبح ساحة التنافس معها أعلى وأجمل وأسمى من اهتزاز شباك، أو نتيجة عابرة. إننا ونحن في مطلع عام محتشد بالمسابقات الرياضية المحلية والدولية، وعلى رأسها كأس العالم، نحتاج لهذه الشخصيات الملهمة القوية، لترفع سقف المنافسة والسلوك الرياضي للمستوى الذي يليق بنا جميعًا، مؤكدين على ضبط السلوك الإنساني داخل الملعب بما يعزز السلوك الحسن، والقيم الرياضية التي تؤكدها كل مدونات الخلق الرياضي. ختامًا هناك لفتة سجلها أيضًا ساديو ماني وهو يشير إلى قوة المشروع الرياضي السعودي الذي كان قد استقطب عددا من اللاعبين العالميين المؤثرين، في مقدمتهم مجموعة من المتنافسين على نهائي كأس أفريقيا، وهذا دليل على ثقافة هذا اللاعب ووعيه الشمولي الذي يتجاوز الانكفاء على الذات والتمحور حولها فقط، إلى مساحات رحبة من الوعي الإنساني الكبير بأهداف التنمية الإنسانية المستدامة في المجتمعات.