الكتابة - في لحظاتها الأولى - ليست رسالة، الكتابة غريزة. أنت لا تكتب لأن لديك ما تقول، أنت تكتب لأنك لا تملك خيارًا آخر. كنت أكتب لأجلي. أكتب لأتخلص من ثقل ما أشعر به، لأقنع نفسي أنني فهمت العالم ولو على الورق، ولأمنح الأشياء أسماء كي لا تبقى مجهولة. أنا لست أنانيًا، لكن العالم كان واسعًا وغامضًا، وكان الورق هو المساحة الوحيدة التي تسمح لي أن أضع حدودًا لقلقي وأفكاري وأسئلتي. لهذا كنت أكتب عن أكثر الأشياء بساطة وعبثًا: قطة أخي التي تخيف الجميع دون أن تفعل شيئًا، كوب القهوة الذي يبرد أسرع مما ينبغي وكأنه يتآمر على اللحظة، خيبة صغيرة لا تستحق أن تُسمى خيبة، لكنها تظل تقف عند باب الشعور كضيف ثقيل. كنت أكتب بسخرية حين تضيق بي اللغة، وبحزن حين تضيق بي الحياة، وبجدية حين تضيق بي نفسي. لم يكن في الأمر التزام، ولا رسالة، ولا جمهور ينتظر. كانت الكلمة تشبه مرآة صغيرة لا يرى فيها أحد غيري. لكن... عندما نشرت أول مقال في جريدة الوطن، تغيرت معادلة الكلمة. ليس لأن الجريدة طلبت ذلك -فهي لا تفرض شيئًا- بل لأن الورق تغير . هنا لم يعد الورق ملكًا لي وحدي، بل أصبح نافذة يطل منها الآخرون علي، وأطل منها عليهم. عندها أدركت لأول مرة أن الكلمة ليست مجرد انعكاس لما أشعر به، بل ممر لما قد يشعر به الآخر أيضًا. وهنا بدأت الكلمة تتنفس خارج صدري. تحولت من أداة نجاة فردية... إلى مسؤولية مشتركة. اكتشفت أن الكتابة ليست حرية مطلقة كما كنت أظن، وليست التزامًا صارمًا كما يخشى البعض. الكتابة - كما فهمتها متأخرًا - هي أن تعيش بين الأمرين: أن تحافظ على صدقك، وأن تحافظ على أثرك. أن تكتب ما تشعر به... كما تشعر، لكن دون أن تنسى أن هذا الشعور حين يُكتب، يصبح جزءًا من شعور إنسان آخر، لا يشبهك، ولا يعيش ظروفك، لكنه قد يحمل الكلمة كما يحمل المسافر زاد الطريق. هنا فهمت أن الالتزام في الأدب لا يعني أن تُصبح خطيبًا أو مصلحًا اجتماعيًا، ولا أن تغير العالم بمقال أو قصيدة. الالتزام الحقيقي هو أن تمنح الكلمة حقها من الصدق، وحقها من الرحمة، وحقها من الانتماء للإنسان قبل الانتماء للكاتب. أن تضع جمال اللغة في خدمة الفكرة، لا أن تضع الفكرة أسيرة لزينة اللغة. أن تقول ما يجب أن يُقال، لا ما يبدو أجمل وهو يُقال. تعلمت أن كل كلمة تُكتب بلا مسؤولية، تشبه زهرة بلا جذور... مدهشة للحظة، لكنها لا تعيش. وأن كل كلمة تُكتب بوعي- حتى ولو كانت بسيطة، حتى ولو كانت حزينة، حتى ولو كانت قاسية- فهي كلمة حية. تنمو في عقل قارئ، أو في ذاكرة عابر، أو حتى في حياة إنسان لم نقصده... ولم يقصدنا. هنا فقط أدركت المعنى العميق للجملة التي يقولها الكتاب ولا ينتبهون لها: الكلمة مسؤولية. مسؤولية أن تعرف متى تقول.ومتى تصمت.ومتى تكشف. ومتى تلمح. ومتى تترك المعنى طليقًا، لا تأسره في شرح أو حكم. أحيانًا، لا يقيد الالتزام الإبداع كما يظن الناس. بل يكشف معدن الإبداع الحقيقي: أن تكون حرًا... وأنت تدرك أثر حريتك. لذلك، لم تعد الكتابة بالنسبة لي مجرد فعل. بل أصبحت موقفًا. موقفًا من الكلمة... ومن نفسي... ومن هذا العالم الذي يزدحم بالضجيج، ولا يحتاج إلى نص جميل، بقدر ما يحتاج إلى نص صادق. ولعل النص الصادق هو وحده... النص الملتزم.