في عالمٍ يموج بالسرعة والتغيرات، وتزداد فيه التحديات الاجتماعية والثقافية والفكرية، يبرز اليوم العالمي للتسامح كوقفة إنسانية تُعيد ترتيب القيم في داخلنا، وتذكرنا بأن بقاء المجتمعات وازدهارها مرهونان بقدرتها على العيش المشترك، وقبول الاختلاف، وتجاوز حواجز التصنيف والانغلاق. ففي السادس عشر من نوفمبر من كل عام، يلتقي العالم على رسالة واحدة مفادها: أن الإنسان أسمى من الخلاف، وأن الرحمة والتقبل والإحسان هي جسور الحياة التي تعبر بها الأمم نحو مستقبل أكثر اتزانًا وسلامًا. التسامح ليس مجرد شعار يُرفع في المناسبات أو قيمة مثالية يصعب تطبيقها، بل هو سلوك عملي، ووعي تربوي، وممارسة اجتماعية تشكل أساسًا في بنية المجتمعات المتحضرة. فالتسامح لا يعني الذوبان أو التنازل عن المبادئ، بل يعني احترام حق الآخر في الوجود والفِكر، والتعامل معه بإنسانية مهما اختلفت المعتقدات أو الآراء أو الخلفيات. وهو في جوهره قيمة إسلامية راسخة، إذ جاء الدين الإسلامي ليؤكد مبدأ العفو واللين، ويُرسّخ ثقافة التراحم، مستشهدًا بقوله تعالى: «فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ، وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ». هذه الآية الكريمة ترسم منهجًا تربويًا عميقًا يضع اللين وحسن التعامل في قلب العلاقات الإنسانية. ويكتسب اليوم العالمي للتسامح أهمية خاصة في مجتمعاتنا العربية والخليجية، التي تعيش حالة تنموية متسارعة، تشهد معها ازدياد التنوع والتداخل الثقافي، ما يجعل الحاجة إلى هذه القيمة الإنسانية أكثر إلحاحًا. وفي المملكة العربية السعودية تحديدًا، نجد أن رؤية 2030 جاءت لتعزز أسس التعايش والتنوع والانفتاح الواعي، وتدعم قيم الحوار والتواصل، من خلال برامج نوعية تهدف إلى صياغة مجتمع حيوي يقوم على احترام الإنسان وتمكين العلاقات القائمة على الاحترام المتبادل. وهنا يتجلى دور المؤسسات التعليمية والجهات الثقافية والاجتماعية في تعزيز مفهوم التسامح، وترسيخ ثقافة الاحتواء في المدارس والجامعات، وفي كل منصات التأثير الإيجابي الاجتماعي. ورغم أن التسامح قيمة عالمية، إلا أنه يبدأ من أصغر دائرة في المجتمع: من الفرد ذاته. فممارسة التسامح تبدأ من قدرتنا على تقبل اختلاف أبنائنا، وأساليب تفكيرهم، واختلاف زملائنا في العمل، وحتى مواقف الحياة اليومية التي تتطلب قدرًا من ضبط النفس وتقديم العذر وحسن الظن. إن جوهر التسامح هو أن نتعلم ألا نجعل الخلاف حاجزًا، ولا الرأي المختلف سببًا للخصومة، ولا الخطأ غير المقصود ذريعة لقطع الأرحام أو توتير العلاقات. فالتسامح شجاعة نفسية، وقوة داخلية، وثقة بالنفس تجعل الإنسان أكبر من المواقف وأرحب من التفاصيل الصغيرة. ومن منظور اجتماعي، فإن التسامح يسهم في تخفيض التوترات داخل المجتمع، ويحد من انتشار خطاب الكراهية، ويحمي الأجيال الجديدة من الانسياق خلف الأفكار المتطرفة. فالتربية على التسامح ليست رفاهية، بل ضرورة لبناء مواطن متوازن قادر على التفاعل مع العالم بإيجابية. والأحداث العالمية المعاصرة تُثبت أن المجتمعات التي تنتشر فيها روح الأحقاد والانقسامات تصبح أكثر هشاشة، بينما تنجح الدول التي تبني ثقافتها على التسامح والاحترام في الحفاظ على تماسكها واستقرارها ونموها. كما يُعد اليوم العالمي للتسامح فرصة للمدارس والمؤسسات التعليمية في المملكة لتقديم برامج وأنشطة تعزز هذه القيمة، مثل حلقات النقاش، والمسابقات الثقافية، والمبادرات الطلابية التي تحفز روح التعاون وقبول الآخر. فالمدرسة ليست مجرد مكان للتعلم الأكاديمي، بل هي مختبر لبناء الشخصية، وغرس القيم، وإعداد المواطن القادر على ممارسة دوره في المجتمع بروح إيجابية. كما يمكن للجهات الإعلامية والثقافية والجوامع في خطب الجمعة، أن تسهم في نشر هذه الرسالة من خلال المحتوى الهادف، والمواد التوعوية التي تعزز الوعي وتواجه السلوكيات السلبية. الاحتفال باليوم العالمي للتسامح ليس احتفالًا شكليًا، بل هو دعوة لتجديد النظر إلى أنفسنا، وتقييم علاقاتنا، ومراجعة أساليب تعاملنا مع الآخرين. فالتسامح يبدأ من الداخل، من القلب حين يُفتح على العالم بروح أكثر نقاءً ومرونة، حينما يقرر الإنسان أن يمنح نفسه والآخرين فرصة جديدة دائمًا. وإذا ما انتشرت هذه الثقافة في المجتمع، فإن أثرها يمتد إلى الاستقرار الأسري، والسياسات العامة، وحتى الاقتصاد، لأن بيئة العمل المتسامحة أكثر إنتاجية، والمجتمع المتسامح أكثر تماسكًا واستعدادًا لمواجهة المستقبل. ويبقى التسامح قيمة إنسانية خالدة، تتجاوز اللغات والثقافات والحدود والأقطار، وتُعيد للإنسان معناه الحقيقي. وكلما اتسع صدر المجتمع للتنوع والاختلاف، ازدادت قوته وقدرته على التعايش والإبداع. واليوم العالمي للتسامح ليس مناسبة عابرة، بل هو تذكير سنوي بأن العالم لا يحتمل مزيدًا من الصراعات، ولكنه دائمًا يحتمل مزيدًا من الرحمة كما بلغنا بذلك ديننا الحنيف على لسان خاتم النبيين وسيد المرسلين عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم.