(إسرائيل) تهاجم منشآت ل(حزب الله) جنوب لبنان    كأس الخليج تحت 20 عاماً : الأخضر السعودي يتعادل مع الكويت    قمة شنجهاي .. غموض في الرؤية وتصاعد التحديات أمام الولايات المتحدة    تحركات لكسر الحصار الممرات الإنسانية في غزة فخ مميت    150 مشاركا بفعالية المشي في الدرب    الأخضر يستعد للملحق بوديتين    الهلال زعيم البطولات والأهلي 9 دوري    الأهلي يقصي العربي ويتأهل لثمن نهائي كأس الملك    وزير الاتصالات يناقش مع نظيره الفلسطيني آفاق الشراكة    مشروع حيوي سعودي في مجمع طبي بغزة    القيادة تهنئ عدة دول بمناسبة ذكرى الاستقلال    قذيفة سوبوسلاي تسقط أرسنال بهدف وتقود ليفربول للانفراد بقمة الدوري الإنجليزي    حرس الحدود بالجوف يحبط تهريب 12,680 قرصًا من "الإمفيتامين"    طبي الملك عبدالله بجدة يُجري عملية نادرة لنقل وتر العضلة شبه المنحرفة السفلى بالمنظار    المملكة تُسهم عبر وزارة الداخلية في إحباط تهريب 89,760 قرص إمفيتامين بالإمارات    الوفاء جوهرة الأخلاق الثمينة    بلدية عيون الجواء تشارك في الحملة الوطنية للتبرع بالدم.    الأرصاد: دخول فصل الخريف أرصاديًا غدًا    السجل العقاري: مهلة 3 أشهر لتوثيق الملكيات بجدة    وزير الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية يزور جمعية البر بأبها ويشيد بتميّزها المؤسسي    رئيس "الأمر بالمعروف" يشارك في الحملة الوطنية للتبرع بالدم    وزارة البلديات والإسكان تُصدر اشتراطات شاملة لتنظيم قطاع المطابخ المركزية    منتزه مليحة الوطني .. وجه التاريخ الثري بالقصص والاَثار لشبه الجزيرة العربية    مخالفة الصيد في المواقع المحظورة تصل إلى 5,000 ريال    محافظ الجبيل يلتقي مديرة الأحوال المدنية    سمو محافظ الطائف يدشن بدء العام الدراسي الجديد    مستشفى الولادة بالأحساء ينظم المؤتمر الثالث للتنفس الصناعي للأطفال وحديثي الولادة    مدير فرع الشؤون الإسلامية في جازان يكرم عددًا من المتقاعدين    عشرات المستوطنين يقتحمون المسجد الأقصى مجددًا    حجم التداول التجاري بين السعودية ومصر في 2024؟    استثمارات مع الحزام والطريق    لطيفة في فترة راحة    قياس مؤشرات الخدمة..«تصنيف مؤسسة سكاي»: الناقلات السعودية أفضل طيران بالشرق الأوسط    اليوسف وهاشم يزفان عبدالمجيد    جمعية العمل الطوعي تكرم الموسى    أكد أهمية الاستخدام المسؤول.. مركز «ICAIRE»: ضرورة تبني معايير لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي    زلزال بقوة 5.5 درجات يضرب إقليم كامتشاتكا الروسي    سواعد الوطن تكرم البرغش    فيلم «7Dogs» يحطم رقمين قياسيين عالميين    12 نجماً في فيلم «أهل الضي»    القادسية يتغلب على النجمة بثلاثية    الصليب الأحمر يحذر من كارثة تهدد حياة المدنيين.. إسرائيل تتأهب لإخلاء آلاف السكان في غزة    «الشؤون الإسلامية» تقدم برامج توعوية لخدمة المعتمرين    52 مليون قاصد للحرمين خلال صفر    مقتل رئيس حكومة الحوثي في غارة إسرائيلية    هنأت الرئيس التركي بذكرى يوم النصر لبلاده.. القيادة تعزي أمير الكويت في وفاة علي الصباح    تركي آل الشيخ أقوى شخصية مؤثرة في عالم الملاكمة    العقعق العسيري    المتحف المفتوح على صفحات «الرياض»    ظهور أنغام بعد أزمتها الصحية    16 فنانا    علب المياه قنبلة موقوتة في سيارتك    متى تضر النظارات العين؟    أسباب ومخاطر التهاب الرئة    ولي العهد يعزي ولي عهد الكويت    أكثر من 52 مليون زائر للحرمين الشريفين خلال صفر    تدشين جمعية روح الصحية لمرضى الأورام    الأميرات مها ومنيرة يقدمنا التعازي ويطمئنن على مصابة الجبل الأخضر    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



أفوكادو المثقفين
نشر في الوطن يوم 27 - 05 - 2025


سأله المذيع: ماذا تبيع؟
- أفوكادو.
- وما هو الأفوكادو؟
ردّ البائع: «مو مالنا.. هذا مال المثقفين بس».
هكذا، في جملة واحدة، صاغ الرجل حدود الجغرافيا الثقافية بينه وبين فاكهة، لم يكن يتحدث عن نكهة، بل عن هوية، عن الانتماء، عن الشعور بأن ثمة أشياء في الحياة «ليست لنا»، لا لأنها ممنوعة، بل لأنها مغلفة بصورة لا تشبهنا، فمن الذي قرر أن ثمرة بسيطة خضراء اللون تصبح فجأة رمزا لطبقة نخبوية؟، من الذي فصل بين طاولة الفاكهة وطاولة الفكر؟،
ومن الذي قرر أن الأومليت ليس بيضًا عاديًا، بل طبقًا فلسفيًا يحتاج إلى نُطق فرنسي؟، أو أن «بستاشيو» هو شيء أكثر أناقة من الفستق؟ حتى «اللاتيه» صار يحمل وزنًا لغويًا أثقل من مجرد «قهوة بحليب»، رغم أن جوهرهما واحد.
إنها ليست قصة أفوكادو وحده، بل قصة كلمات تُغيّر ملامح الأشياء لتبدو أرفع، أشيك، وأحيانًا أكثر ثقافة.. من المسؤول عن هذا التجميل الزائف؟، الإعلام؟ ربما، فهو من صنع في أذهاننا صورة «المثقف» بنظارته المستديرة، كتابه الضخم، جلسته في زاوية مقهى مخملي أنيق، يتحدث بلغة ممزوجة بين العربية والإنجليزية، ويتحدث عن «ألمًا بعد» و«اللا حضور» و«الوعي المُفكك».
لكن دعونا لا نبرّئ المثقفين أنفسهم، كثيرون منهم شاركوا في هذه المسرحية، ارتدوا عباءة التعقيد، كتبوا نصوصًا لا تُقرأ، بل تُؤخذ صورها، قالوا كلامًا لا يُفهم بل يُحفظ، ويُردد ليبدو «مثقفًا»، كأن الغموض أصبح فضيلة، وكأن وضوح الفكر عيب، لنعد الآن خطوة إلى الوراء.. ما الجدوى من هذا كلّه؟.
هل تحول المثقف من ناقل للوعي إلى صانع هالة؟، وماذا يستفيد شخص بسيط في قرية نائية، أو ثري يعيش في ناطحة سحاب، من مقال يتحدث عن «التشظي الكينوني للذات»؟، قد تبهرك العبارة، لكنها لا تقول شيئًا.. لا تُغني ولا تُسمن من جوع، إنها مجرد رقصة لغوية داخل غرفة مظلمة.. نعم، الثقافة ليست بالضرورة بسيطة، لكنها أيضًا ليست لغزًا. ليست مرآة نرجسية، ولا ساحة استعراض.
المثقف الحقيقي لا يلبس الفكر كحُلّة، بل يعيش به، ويتحدث به، ويوصل فكرته إلى من يجلس على الأرصفة، لا فقط إلى من يجلس في المنتديات، لقد صار بعض «المثقفين» يتحدثون بلغة لا يفهمها إلا هم، بل ربما لا يفهمونها هم أنفسهم، لكنها توحي بشيء عميق، كأن الهدف ليس الإيضاح، بل الإبهام وليس التغيير، بل الإبهار، الكتابة ليست عرض أزياء، والمثقف الحقيقي لا يتخفّى خلف الكلمات.. إنه من ينزل بفكره إلى الناس، لا من يصعد بلغته عنهم.. من يقول الشيء الصعب ببساطة، لا من يعقّد البسيط ليوهمنا بالعمق.
نعود إلى الأفوكادو، لا علاقة بين هذه الفاكهة والمثقفين إطلاقًا، لكن هناك علاقة واضحة بين الصورة والانطباع، بين تسويق المعنى وفراغ المحتوى، فأفوكادو «المثقفين» لا يختلف كثيرًا عن الكابتشينو «الإيطالي»، أو اللاتيه «الفرنسي»، أو البرغر «الأمريكي»، كلها أطعمة ومشروبات عادية نشأت في المطابخ، لا في قاعات الفكر، لكنها ارتفعت بذكاء تسويقي إلى مصاف الرموز الثقافية بفعل نزعة الموضة وثقافة الاستهلاك، ووهم الانتماء لكل ما هو عصري وحديث.
البائع البسيط لم يخطئ حين وصف الواقع كما يراه: هناك أشياء «ليست لنا»، لأنها تُقدَّم بلغة لا تخصنا، فمن المسؤول، الإعلام الذي فصّل الصورة؟، أم المثقفون الذين ارتدوها؟، ربما كلاهما، لكن التغيير يبدأ حين ندرك أن الثقافة لا تحتاج ترجمة لتصل، وأن الفكرة العميقة لا تحتاج إلى زخرفة لتُحترم، وأن الأفوكادو مجرد فاكهة.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.