إذا صدقت المعلومة فإن إحدى الشركات عملت دراسات وأبحاثاً متعددة عن مشروع ما كلفتها بالعملة الصعبة ثم ونظراً لتغير تم في الإدارة العليا وضعت هذه الدراسات في الأدراج وذهب المشروع طي النسيان مجرد أكوام من الورق تكسوها الأتربة والغبار. وليس الوضع في بعض الوزارات والجهات الحكومية بأحسن حالاً فنسمع بين الفينة والأخرى عن دراسة هنا أو مشروع هناك ولكن لا نرى «طحناً لما نسمع من جعجعة» ولا نلمس تنفيذاً وكأن هذه المجهودات المدفوع عليها من الميزانيات تمددت تحت مخدة صاحب السعادة أو نامت في درج فخم في مكتب مزدان (Nice view)!! الشيء الذي يحير فعلاً أننا نسمع في بعض الأحيان عن مبادرات جميلة ومشاريع سباقة سواء في القطاع الخاص أو العام فترتفع درجة التفاؤل إلى عنان السماء ثم يحدث ما لم يكن في الحسبان ويصطدم التفاؤل بعلة أصبحت أزلية في الشأن العام والخاص يمكن وصمها بعبارة «مع وقف التنفيذ» أو مقولة «انتظر عدة سنوات» حتى ترى النور في نهاية النفق!! بعض هذه المشاريع قد تتعثر أو تواجهها عقبات فيتم إيقافها أو تقزيمها بدون أن يعلم المستفيدون عنها شيئاً والبعض الآخر من هذه المبادرات والمشاريع قد تبدأ في الانطلاق بالخطوات الأولى ولكنها دائماً ما تكون خجولة وبطيئة إلى حد الملل بل إلى حد عدم الحاجة لها بعد ذلك أو تقادمها أو تداخلها مع أفكار ومشاريع أخرى. بقناعة تامة نعرف جميعاً أن البيئة التي نعيش فيها لا تحتمل مثل هذا البطء والتعطيل والتأخير والتسويف.. وعليه بيئتنا لا تحتمل طريقتنا المتكررة في تعطيل الدولاب عن الدوران بحجج وذرائع وممارسات متعددة منها: 1- توهم الحاجة إلى مزيد من الدراسات ومزيد من الدراسات.. قبل البدء والتنفيذ. 2- ضياع المبادرات في دهاليز البيروقراطية. 3- تحويل الموضوع إلى لجنة ومن ثم لجنة ومن ثم.... 4- طغيان الرؤية الفردية ومن ثم الجهد الفردي على الفكرة أو المشروع فتكون حركة التقدم فيه بحدود طاقة الفرد الواحد وهي محدودة. 5- اختلافات جوهرية تفرق ما بين صاحب المشروع أو معد الدراسة والقائمين بالتنفيذ فلا يعرف الثاني ماذا يريد الأول ولا الأول يعرف ماذا يفعل الثاني. 6- تداخل عدة جهات أو هيئات في الفكرة أو المشروع وعملية التنفيذ وما يصاحب ذلك في أحيان كثيرة من تعارض مصالح أو تنافس سلبي. لنأخذ بعض الأمثلة حتى تتضح الصورة أكثر. حركة الخصخصة أو التخصيص في اقتصادنا أليست بطيئة رغم حاجتنا الماسة إلى تحول سريع وجريء لأن العالم لا ينتظر؟ وعلى نفس الخط وبالوتيرة ذاتها، لننظر إلى حركة توليد الشركات المساهمة الجديدة سنلحظ أنها لا تتوافق البتة مع مقتضيات المصلحة الاقتصادية ولا تساير حالة القفز الخرافي لمستويات السيولة في السوق!! البطء في التنفيذ وفي مرات عدم التنفيذ بتاتاً مشكلة لابد وأنها تؤرق المعنيين بالشأن الاقتصادي في القطاعين الخاص والعام على حد سواء ما يستلزم البحث عن حلول ناجعة وحاسمة. عملية التنفيذ هي زبدة الأمر الذي يخرج الدراسة أو الفكرة من عالم الخيالات إلى على الواقع وهي التي تخلق الفرق في الأداء ومعالجة المشاكل أو تحقيق الأهداف ولابد ان تعطى هذه العملية ما تستحقه من عناية واهتمام و«توصيل سريع»!! ولنا في تجارب الدول الأخرى فوائد جمة خاصة من حيث طرح فكرة «الرائد» أو (Champion) ومعنى ذلك ضرورة وجود شخص أو جهة أو لجنة لقيادة عملية التنفيذ وتكسير القيود التي تعترضها واحاطتها بزخم متواصل ورتم سريع (قوة دافعة) توجهها في الاتجاه الصحيح في ظل جدولة واضحة (مواعيد وأماكن..) وتنظيم سلبي. غير ذلك، سترى أفكارنا ومشاريعنا النور «بعد عدة سنوات» وهي الجملة التي قالها لي أحد المسؤولين بعد أن سألته عن مشروع جبار تقوم به الجهة التي يتبع لها؟! ٭ رئيس قسم إدارة الأعمال جامعة الملك سعود