لا تزال مخاطر الألغام تمثل أحد أخطر التحديات التي تواجه أذربيجان. فعلى الرغم من انتهاء النزاع، ما زالت آثاره الإنسانية والأمنية تلقي بظلالها المباشرة على حياة السكان. ووفقاً للإحصاءات الرسمية، فقد تضرر 421 شخصاً جراء انفجارات الألغام خلال فترة ما بعد الحرب، من بينهم 72 قتيلاً و349 مصاباً بجروح خطيرة، بما يعكس بوضوح حجم هذه المأساة الإنسانية وخطورة تداعياتها المستمرة. ورغم أن أذربيجان دخلت مرحلة التنمية وإعادة الإعمار، فإنها لا تزال تواجه يومياً خطراً صامتاً وغير مرئي. فقد باتت الألغام تهديداً دائماً لسلامة المدنيين، وعائقاً مباشراً أمام استعادة الحياة الطبيعية في المناطق المحررة. وعلى الصعيد الدولي، يُحتفل سنوياً في الرابع من أبريل ب«اليوم الدولي للتوعية بخطر الألغام والمساعدة في الأعمال المتعلقة بالألغام»، وذلك بمبادرة من الأممالمتحدة، بهدف رفع مستوى الوعي العالمي بالمخاطر التي تشكلها الألغام والذخائر غير المنفجرة، وتقديم الدعم للضحايا، وتعزيز الجهود الدولية في مجال التطهير وإزالة الألغام. ويحمل هذا اليوم أهمية خاصة بالنسبة لأذربيجان، التي تواجه واحدة من أوسع مشكلات التلوث بالألغام في المنطقة. فخلال فترة الحرب التي استمرت ثلاثين عاماً، تلوثت مساحات تعادل نحو 12 % من أراضي البلاد بالألغام والذخائر غير المنفجرة. كما يُقدَّر أن أكثر من 1.5 مليون لغم قد زُرعت في تلك المناطق، وهو ما يجعل هذه القضية من أكبر التحديات الإنسانية والتنموية في مرحلة ما بعد النزاع. وتشكل الألغام عائقاً خطيراً أمام جهود إعادة الإعمار والتنمية، ولا سيما في قاراباغ وزنغزور الشرقية، كما تؤدي إلى إبطاء عودة النازحين داخلياً إلى ديارهم بصورة آمنة وكريمة. ولا يمكن اختزال مشكلة الألغام في الأرقام والإحصاءات وحدها، إذ تقف وراءها قصص إنسانية مؤلمة، وعائلات فقدت أبناءها، وأشخاص يواجهون إعاقات جسدية دائمة وصدمات نفسية قد ترافقهم مدى الحياة. كما يفرض هذا الواقع أعباءً اجتماعية إضافية، ويجعل من الضروري توفير برامج طويلة الأمد لإعادة التأهيل والدعم النفسي والاجتماعي والإدماج المجتمعي. وتحدّ مخاطر الألغام أيضاً من الأنشطة اليومية للسكان، وتؤثر سلباً على تطوير الزراعة والبنية التحتية وغيرها من القطاعات الاقتصادية الحيوية. ومن ثم، فإن إزالة الألغام ليست مجرد عملية فنية، بل شرط أساسي لتحقيق التنمية المستدامة وإعادة الاستقرار إلى المناطق المتضررة. وتُعدّ عمليات إزالة الألغام من أكثر المهام تعقيداً وكلفةً، إذ تتطلب موارد مالية وتقنية وبشرية كبيرة، فضلاً عن الوقت والخبرة. ولا يقتصر هذا الجهد على جعل الأراضي آمنة فحسب، بل يشمل أيضاً ضمان حق المواطنين في العودة إلى مناطقهم الأصلية، واستعادة فرص الحياة الكريمة. فكل منطقة يتم تطهيرها من الألغام تمثل بداية جديدة، وخطوة نحو إعادة الأمل وبناء المستقبل. ويستلزم حجم هذه المشكلة تعزيز التعاون الدولي وتكثيف الدعم الخارجي. وفي هذا السياق، تكتسب إسهامات الدول الصديقة والشريكة أهمية خاصة. ويجدر التنويه بالمساعدة المالية التي قدمتها المملكة العربية السعودية، والبالغة ثلاثة ملايين دولار أميركي، دعماً لجهود إزالة الألغام في أذربيجان. وتمثل هذه المبادرة نموذجاً مهماً للتضامن الإنساني، كما تُعد أول إسهام من دول الخليج في هذا المجال، بما يعكس انتقال التعاون بين دول المنطقة إلى آفاق أوسع وأكثر عمقاً. ولا تزال قضية الألغام في أذربيجان واحدة من أبرز التحديات الإنسانية في مرحلة ما بعد الحرب. وإذا كانت الأرقام تعكس حجم المشكلة، فإن الإنسان يبقى جوهر هذه القضية وغايتها الأساسية. فإزالة الألغام تعني ليس فقط تطهير الأراضي، بل إعادة بناء حياة الناس، وتهيئة بيئة آمنة تسمح بعودة السكان إلى ديارهم، وعودة الحياة إلى طبيعتها، وتجدد الآمال بمستقبل أكثر أمناً وازدهاراً. * سفير جمهورية أذربيجان