برحيل الفنانة التشكيلية منى عبد الله عثمان القصبي، فقدت الساحة الثقافية السعودية واحداً من أبرز الأسماء التي ارتبط حضورها بتشكل التجربة التشكيلية الحديثة، بعد مسيرة امتدت لما يقارب خمسين عامًا، كرّست خلالها اشتغالها للفن بوصفه مشروعًا متكاملًا يتجاوز حدود الممارسة إلى بناء فضاءاته ودعم فاعليه. وُلدت القصبي في جدة، وتخرّجت من جامعة الملك عبد العزيز بدرجة البكالوريوس في اللغة الإنجليزية، غير أن انحيازها المبكر للفن قادها إلى مسار مختلف، اختارت فيه التشكيل مجالًا للتعبير وبناء تجربتها الخاصة. ورغم انتمائها لبيئة أدبية وصحفية، فإنها اتجهت نحو تأسيس صوت بصري مستقل، رسّخ حضورها ضمن جيل الرواد. كما أطلقت القصبي «المركز السعودي للفنون التشكيلية» في عام «1987» بمحافظة جدة، الذي تحول إلى إحدى أبرز المنصات الفنية، بعدما احتضن أكثر من «200» معرض، استضاف فنانين من مشارب مختلفة، ما أسهم في توسيع دائرة التفاعل الفني، وفتح المجال أمام تجارب جديدة، ولم يقتصر دور المركز على العرض، بل شكّل مساحة لتأهيل أجيال من الفنانين والفنانات، ليغدو جزءًا من البنية الثقافية المرتبطة بالفن التشكيلي في المملكة. أيضاً شاركت القصبي في أكثر من «100» معرض جماعي، إلى جانب «4» معارض شخصية، كما مثلت المملكة في محافل دولية في المغرب وفرنسا واليمن ومصر، إلى جانب مشاركاتها في مهرجانات محلية من بينها الجنادرية، وامتد تقدير تجربتها إلى خارج المملكة، حيث نالت عددًا من الجوائز والتكريمات، من بينها تكريمها في فرنسا عام «2011» من رئيس صالون الخريف الفرنسي «نويل كوريه». وأشار الفنان التشكيلي نهار مرزوق، أن القصبي تعد واحدة من رائدات الفن التشكيلي، موضحًا أن تأسيسها للمركز السعودي للفنون التشكيلية مثل محطة مفصلية في دعم المواهب وتطوير الذائقة الفنية، مع تمسكها بجذور الهوية وانفتاحها على التجارب المعاصرة، كما استعاد مشاركته معها في «سمبوزيوم أزمور» بالمغرب عام «2012»، بوصفه تجربة أتاحت تبادل الخبرات وتعزيز التواصل الثقافي. برحيل منى القصبي، يغيب اسم ارتبط ببناء مسار تشكيلي متكامل، جمع بين التجربة الإبداعية والعمل المؤسسي، وترك أثرًا ممتدًا في ذاكرة الفن السعودي، عبر ما أنجزته من مبادرات وما دعمته من أصوات فنية.