في مساء ثقافي اتكأ على السؤال الجمالي بوصفه مدخلًا لفهم التحولات الفكرية والبصرية في تاريخ الإنسان، نظمت الجمعية العربية السعودية للثقافة والفنون بالرياض لقاء حمل عنوان "مدارس الفن التشكيلي.. كيف نشأت ولماذا؟"، قدّمه الأستاذ الدكتور سعد البازعي، وذلك بمقر الجمعية ضمن سلسلة "اثنينية البازعي"، التي تمضي في تقديم محتوى معرفي نوعي يلامس قضايا الثقافة والفنون والآداب. جاء اللقاء قراءة في نشأة مدارس الفن التشكيلي ومسارات تطورها، منطلقًا من البدايات الأولى للفنون التشكيلية في أوروبا وما شهدته من انتقالات كبرى في الرؤية والأسلوب منذُ كان الفن تعبيرًا دينيًا ورمزيًا، وصولًا إلى تشكل المدارس والاتجاهات التي منحت الفن الحديث ملامحه الخاصة. وفتح البازعي من خلال هذا المسار بابًا للتأمل في الكيفية التي تحولت بها اللوحة من فضاء للتوثيق والمحاكاة إلى مساحة للتفكير والسؤال والتجريب، ومن سطح بصري يستقبل العين إلى عالم كامل يحرك الخيال ويستدعي التأويل. وتوقف البازعي عند التحولات التي عرفتها الفنون في عصر النهضة وما تلاه من عصور، ولا سيما القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، وهي مراحل لم تكن منفصلة عن التحولات الفكرية والاجتماعية التي شهدتها أوروبا. ففي تلك الحقب اتسعت علاقة الفنان بالعالم وتبدلت أدوات النظر إلى الإنسان والطبيعة والمدينة والضوء، ولم تعد اللوحة مجرد تسجيل للمشهد الخارجي بل أصبحت مجالًا تتحرك فيه الفكرة والانفعال والشكل، وتتشكل عبره علاقة جديدة بين الفنان وموضوعه. وركزت المحاضرة على ثلاثة تيارات فنية بارزة هي: (الانطباعية، والتعبيرية، والتكعيبية)، بوصفها محطات أساسية في تاريخ الفن الحديث، ولكل منها طريقته الخاصة في مساءلة الواقع، ففي الانطباعية حضر الاحتفاء بالضوء واللحظة وتبدلات المشهد، وكأن الفنان يلاحق ما يتغير قبل أن يستقر، وفي التعبيرية تقدم الانفعال الداخلي على الوصف الخارجي، فأصبحت اللوحة أقرب إلى كشف ما يضطرب في النفس لا ما تراه العين فقط، أما التكعيبية فجاءت لتفكك الشكل وتعيد بناءه وفق رؤية بصرية مغايرة جعلت اللوحة فضاء للتجريب والتأويل لا مجرد مرآة ساكنة للواقع. ولم يقف اللقاء عند حدود التجربة الأوروبية بل امتد إلى أثر هذه التيارات في الفنون التشكيلية في المملكة والعالم العربي، مستعرضًا كيف تفاعل الفنانون العرب والسعوديون مع المدارس الفنية الحديثة، لا بوصفها قوالب جاهزة أو نماذج مستوردة بل بوصفها إمكانات مفتوحة للحوار مع الهوية المحلية والذاكرة البصرية والبيئة الثقافية. فالفن في انتقاله بين الثقافات لا يبقى كما نشأ أول مرة، بل يعاد تشكيله كلما لامس أسئلة الفنان وخصوصية المكان، وتحول إلى لغة قادرة على حمل ملامح البيئة والإنسان والذاكرة. ومن هذا المنظور بدت المدارس الفنية في المحاضرة ليست مجرد أسماء في تاريخ الفن، بل مفاتيح لفهم تحولات الوعي الجمالي، وكيف يمكن للفنان أن يرى العالم مرة عبر الضوء، ومرة عبر الانفعال ومرة عبر تفكيك الشكل وإعادة تركيبه. كما أضاء اللقاء العلاقة بين الفن والفكر وبين اللوحة وسياقها الثقافي، مؤكدًا أن كل تيار فني لا يولد من فراغ، بل من حاجة إنسانية إلى التعبير عن زمنه وأسئلته وقلقه وتحولاته. وشهد اللقاء حضورًا من المهتمين بالفنون التشكيلية والمثقفين، حيث أُتيح المجال للنقاش وطرح الأسئلة، بما أضفى على الأمسية بعدًا حواريًا، وأسهم في إثراء الموضوع من زوايا متعددة حول أسباب ظهور المدارس الفنية، والعوامل الفكرية والثقافية التي صنعت تحوّلاتها وأثرها في الحراك الفني العالمي والعربي. ويأتي هذا اللقاء ضمن برامج جمعية الثقافة والفنون الهادفة إلى تعزيز الوعي الثقافي والفني، ودعم الحراك الإبداعي، وفتح المجال أمام المتخصصين لتقديم خبراتهم ومعارفهم في مختلف مجالات الثقافة والفنون بما يعزز حضور الفنون التشكيلية في المشهد الثقافي المحلي، ويفتح أمام المتلقي أفقًا أرحب لفهم اللوحة لا بوصفها عملًا بصريًا فحسب بل بوصفها ذاكرة للزمن وشاهدًا على تحولات الفكر والذائقة.