(نعتز بذكرى تأسيس دولتنا المباركة قبل ثلاثة قرون على الأمن والعدل والعقيدة الخالصة، ولازال نهجها راسخاً منذ ذلك الحين، في وطن يتقدم إلى الريادة في مختلف المجالات) بهذه الكلمات الموجزة اختصر "سلمان بن عبدالعزيز" مسيرة قرون ثلاثة من التأسيس إلى الوحدة ثم الريادة. مسيرة "كيان" أسس على تقوى من الله برجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فكان ولازال من أكثر الكيانات إن لم يكن الأكثر تأثيرًا في مجرى الأحداث وصناعة القرار. تعود بي الذاكرة تلميذًا في المرحلة الابتدائية وإلى حصة الإنشاء والتعبير عندما يطلب منا المعلم أن نكتب موضوعًا عن الوطن ويعطينا بعض العناصر أو المفاتيح المساعدة محددًا العدد الأدنى من السطور لكتابته فتبدأ رحلة البحث في الصحف والمقالات نستقي منها عبارات لا ندرك معانيها وأغاني وقصائد لا نعي مضامينها .. (وطني الحبيب ولا أحب سواه) .. (ولي وطن آليت أن لا أبيعه) و (حب الوطن من الإيمان) المهم أن نكتب عدداً من الأسطر هي الحد الأدنى المطلوب للموضوع. كبرنا.. وكبر معنا الوطن.. نما حبه في قلوبنا وكبُر.. وأدركنا تلك المعاني والمضامين.. أدركنا ماذا تعني (وطني الحبيب) ومعنى (آليت) وكيف يكون الانتماء للوطن نوعًا من الإيمان به.. أدركنا أن الوطن ليس ترابًا نمشي عليه.. أو منزلًا نسكنه ونقيم فيه.. ولا جواز سفر نتنقل به.. أو هوية تعلن انتماءنا له.. أدركنا أن الوطن هو الرحم الذي تشكلنا فيه ومن خلاله رأينا النور وأبصرناه.. وأن الوطن هوية وانتماء يقيم في داخلنا يسير في شرايينا.. وأن التأسيس لم يكن ذاتي الهدف لتحقيق مجد ذاتي سعى له المؤسس أو بحث عن سلطة يسعى إليها بل كان إعلان دولة بمفهوم عصري حديث سبق به الزمن.. دولة ذات نظام وسيادة قادرة على حماية المجتمع واستقراره فنجحت في إقامة مجتمع مترابط اجتماعياً وأسست نظاماً اقتصادياً مستمدًا من الشريعة الإسلامية امتد أثره إلى المناطق التي خضعت لنفوذها حيث نظمت أمور هذه المناطق الاقتصادية والمالية مؤكدة أن نهضة الأوطان تبنى على قاعدة متينة، وأن الاستثمار الحقيقي في أبنائها وفي مراحل مبكرة من حياتهم. إن القارئ لتاريخ الدولة السعودية عبر مراحلها الثلاث والمتأمل فيه يدرك أن هذه الدولة قامت وتقوم على ثوابت لا تتغير بتغير الزمن لكنها في ذات الوقت تؤمن بالتجديد وتتكيف مع متطلبات العصر وظروفه دون إخلال بتلك الثوابت التي من أهمها الإيمان بالله كعقيدة واعتماد الإسلام دستوراً ومنهج حياة وكلمة التوحيد شعارًا ونوراً مسطراً ترفعه في كل مناسبة وتعتز به. الالتزام بهذه الثوابت والتمسك بها كان السبب الرئيس في استعادتها للحكم مرتين وأن لا يطول غيابها عن المشهد ( 6 سنوات في المرة الأولى و 11 سنة في المرة الثانية) وثمة سبب آخر في سرعة العودة إلى جانب الالتزام بالثوابت وهو ثقة المجتمع بهذه الأسرة التي تدرك أبعاد الحكم وأهدافه وكيفية العلاقة بين الحاكم والمحكوم. وكما يقولون "الثالثة ثابتة" فقد كانت العودة القوية على يد الموحد الملك عبدالعزيز -طيب الله ثراه- التي شهدت توسعاً ديموغرافياً كان من أبرز ملامحه وضع أسس واضحة لدولة عصرية ذات هوية ثابتة ورؤية تنموية شاملة مع انفتاح على العالم الخارجي والاندماج في المجتمع الدولي، وهو النهج الذي سار عليه أبناؤه البررة من بعده، لهذا كان للمملكة العربية السعودية سياستها الداخلية والخارجية التي لا تتغير ومواقفها التي لا تتبدل، لكنها في ذات الوقت تتوافق مع طبيعة المرحلة ومقتضيات العصر. تأتي ذكرى التأسيس هذه العام والمنطقة تعيش على صفيح ساخن والعالم يموج بتقلبات إيديولوجية وسياسية، والموقف السعودي ثابت لا يتغير واضح وضوح الشمس في رابعة نهار صيفي لم تحجبه غيوم الشتاء الذي نعيشه هذه الأيام ولم يتأثر بتقلبات الرياح والعواصف التي تهب على المنطقة، هو ذات الموقف الذي قام عليه هذا الكيان منذ ثلاثة قرون وهو الموقف الذي امتازت به الدولة السعودية الثالثة في كل ما مر بها من أحداث ذات تأثير مباشر عليها أو غير مباشر، موقف يقوده العقل وشعاره الحكمة وهدفه السلم ومصلحة شعوب العالم، إنه فن إدارة الأزمات والتعامل مع الأحداث. نعود لما بدأت به المقال ونختم به وهو ما عبّر عنه خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز -يحفظه الله- حول ذكرى يوم التأسيس حيث حدد ثلاثة محاور سارت عليها الدولة السعودية منذ تأسيسها: أولها: الأمن والعدل والعقيدة الخالصة. ثم استمرارها على ذلك النهج. والثالث جاء كنتيجة: وطن يتقدم إلى الريادة في مختلف المجالات. بل وأصبح رائدًا في هذا العهد الزاهر عهد "سلمان بن عبدالعزيز" وسمو ولي عهده الأمير محمد بن سلمان تجلت ريادته في كثير من المواقف وعلى مختلف الأصعدة. جاءت رؤية 2030 لترسم خارطة طريق لوطن يؤكد العزة والمنعة وينشد الريادة وكان له ذلك .. لم يعد وطنًا هامشيًا يرقب المشهد من بعيد .. بل أصبح رقمًا أساسًيا في خارطة العالم .. يؤثر في مجرى الأحداث وغيره يرقب الحدث .. ويصنع القرار ويترك الآخرين يعلقون عليه ..