كان تاريخا مميزا ليوم مميز لوطن مميز، كان الاحتفاء الأول بيوم التأسيس عندما أصدر خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز في 27 يناير 2022 أمرا ملكيا بأن يكون يوم 22 فبراير من كل عام يوما لذكرى تأسيس الدولة السعودية، باسم يوم التأسيس. وهذه الأيام ما زلنا نعيش الاحتفاء للمرة الثانية بهذه الذكرى المجيدة لوطن مجيد. "التأسيس" لم يكن بناء عاديا لكيان عادي بقدر ما كان عملا استثنائيا لبناء كيان استثنائي، لهذا كان يوما استثنائيا يحق لنا أن نفخر به وبه نفاخر. والذي يقرأ التاريخ والمهتم بدراسته يدرك أنه خلال القرن الثامن عشر أبدى عدد من المفكرين والكتاب الأوروبيين اهتماما بالشرق عموما وبالإسلام على وجه الخصوص عبر العديد من البحوث والدراسات في هذا المجال، وقد أشار إلى ذلك د. بيار سبيغ وهو أكاديمي سويسري في بحث نشره قبل سنوات حول وضع الإسلام في القرن الثامن عشر، ثم أصدر د. أحمد دلّال كتابه (الإسلام من غير أوروبا: تقاليد الإصلاح في الفكر الإسلامي في القرن الثامن عشر) وفيه تطرق إلى جهود العلماء السابقين في إبراز جوانب الأصالة والتجديد في الفكر الإسلامي في القرن الثامن عشر. ما أعنيه هنا أنه في هذا التوقيت جاء تأسيس "السعودية" على يد الإمام محمد بن سعود ليمثل مشروعا تنويريا للإصلاح كان العالم الإسلامي يتطلع إليه في مرحلة مهمة من تاريخه. ثلاثة قرون شهدت تحولات ديمغرافية وثقافية كبرى شكلت هذا الكيان الكبير الذي لم يبن على عصبية قبلية أو دعوة مناطقية بل كان ذا هدف واضح يرسم استراتيجية بعيدة المدى لكيان مستقبلي ربما لم تتضح معالمه لكنها كانت تتراءى في الأفق البعيد. ورغم ما جرى من محاولات لإجهاض هذا البناء ووقف مسيرته إلا أنه عاد في المرة الثالثة -والثالثة ثابتة كما يقولون- أكثر ثباتا وقدرة على الصمود في وجه التيارات المناوئة التي تعددت أساليبها وطرائقها وفق طبيعة المرحلة ومتطلباتها. عاد بعد أن قيض الله له (عبدالعزيز بن عبدالرحمن) بفكر جديد وخلَفه أبناؤه من بعد برؤى وتطلعات تتناسب وما تتطلبه المرحلة. من المؤسس (الإمام محمد بن سعود) إلى الملك المجدد (سلمان بن عبدالعزيز) مرورًا بالملك الموحد (عبدالعزيز بن عبدالرحمن) الأهداف واحدة وإن اختلفت أساليبها.. والتطلعات هي ذاتها وإن اختلفت رؤاها.. فلكل عصر طبيعته ونظرياته. من تأسيس الدولة السعودية 1827م إلى رؤية المملكة 2030 سباق مسافات طويلة لقطع مسافة حضارية في زمن قياسي وترسيخ هوية سعودية متماسكة تتطور مع متغيرات العصر تتبادل معها الأثر والتأثير مع استمرار حاجتها لإعادة التفكير والتنظير في مكوناتها كغيرها من الهويات عبر التاريخ والجغرافيا مع محافظتها على القيم والثوابت، وتأتي رؤية 2030 لتمثل مرحلة تغير وانتقال كبرى من مراحل بناء الوعي في تاريخ المجتمعات مؤكدة أن تاريخ سعودية جديدة يكتب وهو ما يلحظه المتابع والمراقب للمشهد عن كثب وتؤكده الأرقام والمواقف. والله من وراء القصد. عبدالله الضويحي