ربما لم يدر بخلد الإمام محمد بن سعود وهو يتولى إمارة الدرعية عام 1139ه/1727م مؤسسا للدولة السعودية الأولى أن تلك الخطوة ستكون الأولى في الألف ميل وهذا أمر طبيعي وفقا لظروف تلك المرحلة وطبيعتها من كل النواحي لكن المؤكد أنه وهو يضع اللبنة الأولى كان يخطط لبناء كيان موحد بعيدا عن صراعات المدن والقرى وتناحر القبائل يكون الأساس في ترسيخ الهوية وتنوير المجتمع لدولة قوية مخرجا البلاد من صراعات ضيقة إلى سعة الرؤية إيذانا ببزوغ فجر جديد ووجه جديد لعموم جزيرة العرب، إذ أن مشروع الإمام محمد بن سعود تجاوز الحدود إلى آفاق بعيدة سيما في الدول الإسلامية المتعطشة آنذاك للإصلاح الديني. ثلاثة قرون قطعنا فيها مسافة حضارية ولازلنا نقود الركب في سباق للمسافات الطويلة بعد أن تجاوزنا المشاركين فيه ليس لأننا نملك مخزونا لياقيا فحسب بل لأننا نملك القدرة والكفاءة على توزيع الجهد والتعامل مع مثل هذا النوع من السباقات. ونحن نعيش الدولة السعودية الثالثة فإن السؤال المطروح في هذا المقام: كيف استطاعت هذه الدولة الحكم ثلاث مرات والعودة لسدته مرتين في غياب لم يتجاوز السنوات العشر في الغياب الواحد!؟ إن القارئ لتاريخها والمتأمل فيه يدرك أن الدولة السعودية ومنذ تأسيسها قبل ثلاثة قرون وحتى يومنا هذا تقوم على ثوابت لا تتغير بتغير الزمن لكنها في ذات الوقت تؤمن بالتجديد وفق متغيرات العصر ومتطلبات المرحلة دون إخلال أو تأثير في تلك الثوابت وفي مقدمتها الإيمان بالله سبحانه واعتماد الدين الإسلامي دستورا ومنهج حياة متخذة من كلمة التوحيد شعارا تتشرف به في المناسبات. الأمر الآخر: الثقة المتبادلة بين الأسرة الحاكمة والشعب مبنية على إرث اجتماعي وعلاقة تاريخية كون الأسرة خرجت من رحم هذا المجتمع الذي كان سندها الأول في قيام دولة لم تأت بقرار من الأممالمتحدة بل إنها عضو مؤسس فيها ولا بوصاية دولية قدر ما أسست على تقوى من الله ورضوان وقيم راسخة وثابتة. هذه العلاقة وتلك القيم والثوابت هي التي حفظت لهذه الدولة كيانها واستمرارها على مدى ثلاثة قرون.. وهي التي أقلتها من عثرتها وأعادتها للحكم مرتين.. وهي التي أرسى قواعدها وبنى عليها الدولة السعودية الثالثة الملك الموحد عبدالعزيز وسار على نهجه ابناؤه الملوك البررة من بعده.. وهي ذاتها التي سار على نهجها خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز -يحفظه الله- سابع ملوك الدولة السعودية الثالثة. والرقم 7 رقم مبارك فسورة الفاتحة آياتها سبع وعبارة التوحيد كلماتها سبع والسماوات سبع، والأراضون سبع ونؤمر بالصلاة لسبع والطواف سبعة أشواط ومثله السعي وأيام الأسبوع والبحار سبعة والقارات سبع وعجائب الدنيا سبع والضوء سبعة ألوان (ألوان الطيف) والسنبلات الخضر سبع، والبحث في هذا يطول، وهو ماجعلنا ويجعلنا متفائلين بحامل هذا الرقم -يحفظه الله- فإذا كنا نعيش الدولة السعودية الثالثة تاريخيا فإننا نعيش الدولة السعودية الرابعة واقعا عمليا أرسى قواعدها وأسس لها سلمان الحزم والعزم ونفذها وأدارها بكفاءة وأمانة محمد بن سلمان ولي العهد ورئيس مجلس الوزراء عراب رؤية المملكة 2030 التي تأتي معلنة ومرسخة لهوية سعودية تتماشى مع متغيرات العصر لا تتأثر بها فقط بل وتؤثر فيها كغيرها من الهويات عبر التاريخ والجغرافيا وتمتاز عنها بمحافظتها على القيم والثوابت ومؤكدة أن تاريخا جديدا يكتب لسعودية جديدة ممثلا لمرحلة تغير كبرى من مراحل بناء الوعي في تاريخ المجتمعات، وهذا ماتؤكده الحقائق والمواقف إذ أصبحت السعودية دولة رائدة ومؤثرة وعاصمة لكثير من القرارات تدير ملفاتها بكل كفاءة واقتدار ليس على المستوى الاقتصادي فحسب بل على مختلف الأصعدة والمستويات السياسية والثقافية والرياضية وغيرها. «يوم التأسيس» وأبعاده المتعددة والمختلفة يأتي ضمن هذه الرؤية واستحضاره والاحتفاء به يساعد جيل اليوم وأجيال الغد على بناء المعرفة التاريخية لوطنهم ويرسخ هويته ويعمق انتماءهم إليه فقد أصبحت المناسبات الوطنية الجامعة من أهم السياسات التي اعتادت الدول الحديثة الاحتفاء بها من خلال التذكير بالمنجز تعميقا للهوية واعتزازا بالروح الوطنية وتعزيز الانتماء تستذكر فيها الماضي وتستدعي فيها المستقبل. والله من وراء القصد.