الحِجَاجُ مأخوذ في اللغة من (الحُجَّةِ)، وهي الدليل، أو البرهان، وتُجمع على حُجَجٍ، وَحِجَاجٍ، وقد ورد الحِجَاج في القرآن الكريم في صيغ مختلفة، فمن ذلك مثلاً قوله تبارك وتعالى: «وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ»، وقوله جل وعلا: «وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِن بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ»، وقوله سبحانه: «أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ ۖ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ»، فهذه الآيات الكريمة دالة على الحجاج، وعلى قيمته العالية في الحوار، وكشف الأدلة، وتوضيح الأمور، وتفسير المقصود. كما رأينا الحِجاج أيضاً في الحديث النبوي الشريف، كما في (صحيح البخاري) في باب: (تحاج آدم وموسى عند الله): «حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا سفيان قال: حفظناه من عمرو، عن طاوس، سمعت أبا هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «احتجَّ آدم وموسى، فقال له موسى: يا آدم أنت أبونا خيبتنا وأخرجتنا من الجنة، قال له آدم: يا موسى اصطفاك الله بكلامه، وخطّ لك بيده، أتلومني على أمر قدر الله علي قبل أن يخلقني بأربعين سنة؟ فحجّ آدم موسى، فحجّ آدم موسى ثلاثا». ففي هذا الحديث الشريف تتجلى قيمة الحِجاج بوصفه آليّة تواصلية، تبني صورًا ذهنية، وفقاً لأدوات لغوية، وأساليب منطقية، بهدف الإقناع، والتأثير في المتلقي. وهكذا يسير الحجاج في كل ميدان، ويستفيد منه كل مجال، وإن كان في أصله ينبع من اللغة، ويصدر من الكلام، وينطلق من الحوار، والخطاب، وكل نصٍّ تواصلي. ومع الجدل الحائم حول تصنيف الحجاج، هل هو مبحث لساني؟ أم بلاغي؟ أم نقدي؟ أم أسلوبي؟ نستطيع القول: إنه كالتاريخ يغذّي كل علم بما يشتهيه، ويمدّ كل فنِّ بما يستهويه، فاللغويّ مثلاً يشتغل على الحِجَاج من منطلقاته اللسانية، وكذلك البلاغي يفيد من الحجاج وفقاً لمعطياته البلاغية، وكذلك يفعل الفقيه، والمحدّث، والمفسّر، والأديب، والناقد، والأسلوبي، والنحوي، والصرفي، والعروضي، والجغرافيّ، والمؤرّخ، والنسّابة، والفيلسوف، والفنّان، والمعلّم، والمربّي، وغيرهم، كلٌّ بحسب تخصصه؛ ولذلك فإن الحِجاج أصدق ما يمكن أن يطلق عليه هو أن يكون مبحثاً تداولياً فحسب. ويندرج الحِجَاج في مجالات أخرى مختلفة، فقد يحتاجه القانونيّون في المخافر، والمحاكم، والدوائر القانونية؛ لما فيه من إقناع المتلقي (القاضي – الجمهور – المتهم – المحقق - المحامي..)، كما أن اللوائح، والبنود، والمواد، والأدلة، هي نصوص قانونية تتكئ على الحجج المنطقية، وتوضيح الصواب من الخطأ، وإظهار الحق، ونفي الباطل، وتعزيز قيمة العدل، ونبذ الظلم، وكل تلك الغايات إنما تستند إلى وسائل حجاجية، ومقاصد تداولية. وإنما اخترت الحِجاج القانوني هنا تحديدًا؛ لأن القانون -كالتاريخ- واسع الأفق، فهو يتشبك مع مسارات علمية ومعرفية كثيرة، كالطب مثلاً، والإعلام، والسياسة، والرياضة، والبيئة، والتكنولوجيا، وغيرها. وإذا سرنا في اتجاه العلوم والمعارف الأخرى فإننا قد نجد الحِجاج حاضراً حتى في العلوم التطبيقية، كالفيزياء، والكيمياء، والأحياء، والرياضيات، والهندسة، ونحوها من العلوم التي تنحو إلى استعمال الأدلة، وتوظيفها، وذلك عند إثبات النظريات، وتفسير الظواهر الطبيعية، ولا سيما عندما يلجأ الباحثون إلى البراهين والحجج التي تعتمد على الاستدلال المنطقي، والاستقراء، والاستنباط، بغية الوصول إلى نتائج يقينية.