تُعد المملكة اليوم إحدى أبرز الدول الفاعلة في صناعة السلام على المستوى العالمي، ليس بوصفه شعاراً سياسياً أو موقفاً ظرفياً، بل باعتباره نهجاً راسخاً في سياستها الخارجية والداخلية منذ تأسيسها على يد الملك عبدالعزيز وحتى عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان -حفظه الله-. فقد تشكّل الدور السعودي في محيط إقليمي ودولي مضطرب، واستطاع أن يوازن بين حماية المصالح الوطنية والإسهام في استقرار النظام الدولي، انطلاقاً من قناعة عميقة أن السلام هو شرط التنمية، وأساس الأمن، وضمان كرامة الإنسان. ومنذ وقت مبكر، أدركت السعودية أن النزاعات بين الدول لا يمكن أن تُحل بالقوة وحدها، وأن الحوار والوساطة يمثلان المسار الأكثر استدامة. ولهذا لعبت المملكة أدواراً محورية في حل العديد من الأزمات الإقليمية، معتمدة على ثقلها السياسي ومكانتها الدينية ومصداقيتها الدولية. وقد برز ذلك بوضوح في الآونة الأخيرة في جهودها المتواصلة تجاه الأزمة اليمنية، سواء عبر رعاية اتفاق الرياض عام 2019م، أو عبر دعم المسار السياسي الذي يحفظ لليمن دولته ومؤسساته، ويُنهي معاناة شعبه بعيداً عن منطق التفتيت والفوضى. وفي السياق نفسه، حافظت السعودية على موقف ثابت تجاه القضية الفلسطينية، حيث تبنَّت مبادرة السلام العربية منذ عام 2002م، باعتبارها إطاراً عادلاً وشاملاً لتحقيق السلام في الشرق الأوسط يقوم على حل الدولتين، وإنهاء الاحتلال، وضمان الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني. هذا الموقف لم يكن مجرد طرح دبلوماسي، بل تعبير عن رؤية سعودية ترى أن السلام الحقيقي لا ينفصل عن العدالة والشرعية الدولية. ولم يقتصر الدور السعودي على الوساطة، بل امتد ليشمل الدفاع عن وحدة الدول وسلامة أراضيها، ورفض مشاريع التقسيم والتدخلات التي تُغذي الصراعات الداخلية. فالسعودية تنطلق من قناعة أن انهيار الدول الوطنية يشكّل تهديداً مباشراً للأمن الإقليمي والعالمي، ويفتح المجال أمام التنظيمات المتطرفة والجماعات العابرة للحدود. ومن هذا المنطلق، دعمت المملكة استقرار الدول العربية، وسعت إلى إعادة دمجها في محيطها الإقليمي، بما يضمن الحفاظ على سيادتها ومؤسساتها الوطنية. وما الموقف السعودي الراسخ والصادق من القضية السورية عنا ببعيد. وفي مواجهة الإرهاب والتطرف، كانت السعودية في مقدمة الدول التي تصدت لهذه الظاهرة فكرياً وأمنياً. فقد عانت المملكة نفسها من الإرهاب، ما جعلها تدرك مبكراً أن المعركة ليست أمنية فقط، بل فكرية وثقافية واقتصادية أيضاً. لذلك شاركت بفاعلية في التحالف الدولي ضد تنظيم داعش، وأسهمت في تجفيف منابع تمويل الإرهاب، إلى جانب إطلاق مبادرات رائدة لمواجهة الخطاب المتطرف، من أبرزها إنشاء المركز العالمي لمكافحة الفكر المتطرف "اعتدال"، الذي بات نموذجاً دولياً في تفكيك الخطاب المتشدد ومواجهته بلغة علمية وإعلامية مؤثرة. كما تؤمن السعودية أن السلام لا يمكن أن يتحقق في بيئات يسودها الفقر واليأس، ولذلك جعلت من العمل الإنساني والتنمية ركناً أساسياً في سياستها الخارجية. فقد تصدرت المملكة الدول المانحة في تقديم المساعدات الإنسانية والإغاثية، خاصة في مناطق النزاعات والكوارث، مثل اليمن وسورية وعدد من الدول الإفريقية. ولم تقتصر هذه الجهود على الإغاثة الطارئة، بل شملت دعم مشاريع تنموية طويلة الأمد في مجالات التعليم والصحة والبنية التحتية، بما يعزز الاستقرار الاجتماعي ويمنح الشعوب القدرة على بناء مستقبلها. ويمتد مفهوم السلام في الرؤية السعودية إلى بعدٍ إنساني فردي، يتجسد في الحرص على كرامة الإنسان وجودة حياته. ويظهر ذلك بوضوح في المبادرات الطبية والإنسانية، ومنها البرنامج السعودي لفصل التوائم السيامية، الذي قدّم نموذجاً نادراً للتضامن الإنساني، حيث استقبل أطفالاً من مختلف دول العالم، وأُجريت لهم عمليات دقيقة ومعقدة أسهمت في إنقاذ حياتهم ومنحهم فرصة لحياة طبيعية. هذا النوع من المبادرات يعكس فهماً عميقاً للسلام بوصفه قيمة تبدأ من الفرد قبل أن تتجسد في العلاقات بين الدول. ومنذ عهد الملك عبدالعزيز، الذي أسس الدولة على مبادئ الاستقرار والوحدة والتوازن في العلاقات الدولية، مروراً بأبنائه الملوك، وصولاً إلى العهد الحالي، ظل الدور السعودي في صناعة السلام متسقاً في جوهره، وإن اختلفت أدواته وفق متغيرات الزمن. هذا الدور المتنامي جعل من السعودية أيقونة للسلام العالمي، لكنه في الوقت ذاته أثار حفيظة قوى الشر والظلام والتفتيت، التي ترى في الاستقرار والتنمية تهديداً مباشراً لمشاريعها القائمة على الفوضى والانقسام. وفي تقديري، فإن ما يمنح الدور السعودي قوته الحقيقية ليس فقط تعدد مبادراته، بل استمراريته التاريخية واتساقه القيمي؛ إذ لم تتعامل المملكة مع السلام كتكتيك سياسي عابر، بل كخيار استراتيجي طويل المدى، وهو ما يجعل التجربة السعودية في هذا المجال جديرة بالاهتمام والدراسة في عالم يزداد اضطراباً وحاجةً إلى نماذج عقلانية ومسؤولة في صناعة السلام العالمي.