تحت هذا العنوان سوف نستعرض بعض دواوين شعراء القرن الماضي، التي جمعها المهتمون بالشعر الشعبي، أو التي جمعها أبناؤهم أو أحفادهم، أو ما أشرف عليه الشعراء أنفسهم، وذلك بعرض نماذج من قصائد الرعيل الأول في مجال الشعر الشعبي، وفي هذا العدد سوف نستعرض احد دواوين أمير شعراء المحاورة الشاعر الكبير أحمد الناصر الشايع (1339ه 1921 م- 1438ه2017م) الذي صدر له ديوانان الأول اسمه نسمات الربيع الطبعة الأولى صدرت عام 1384 هجري وكتب مقدمته الأديب عبدالكريم الجهيمان والطبعة الثانية عام 1429ه بمقدمة كتبها ابنه ناصر أحمد الناصر الشايع وقدم للقصائد محمد عبدالله الطيار. أما الديوان الثاني الذي سوف نستعرضه فجاء تحت اسم ديوان أحمد الناصر الشايع الطبعة الأولى 1434ه والذي صدر بطبعة فاخرة ب388 صفحة تحت إشراف ابنه ناصر أحمد الناصر الشايع والتمهيد بقلمه جاء فيه: وهذا الديوان الذي بين يديك -أيها القارئ العزيز- يتضمن قصائد النظم التي قالها الشاعر في أوقات متفرقة من حياته، وهي قصائد طالما تمنّى الكثيرون من محبّي الشاعر ومتابعي قصائده أن يخرجها في ديوان لتكون في متناول الجميع وليطلع عليها متذوقو الشعر الشعبي ولتبقى في ذاكرة تاريخ الشعر الشعبي للأجيال القادمة. من الجدير بالذكر أنه قد صدر له ديوان مسموع على أشرطة C.D وكاسيت (الجزء الأول) ويليه الجزء الثاني قريباً بإذن اللّه. وضمن مشروع نشر الأعمال الكاملة له يصدر مع هذا الديوان الشريط الصوتي المسموع، الذي يتضمن الطروق والألحان التي ابتكرها في شعر النظم، ولم تُسمَع من غيره من قبل. حتى قال وأتقدم بجزيل الشكر والعرفان للشيخ الأديب أبي عبدالرحمن بن عقيل الظاهري، الذي تفضّل مشكوراً بكتابة مقدمة لهذا الديوان، كما أشكر كل الذين شجعونا على توثيق وجميع أعمال الشاعر، وكل الذين أمدونا بما لديهم من آراء وأفكار، والذين ساهموا معي في إعداد هذا الديوان ومراجعته وتدقيقه وأخصّ بالذكر الأستاذ فيصل بن ماجد المرعيد السبيعي على قيامه بالتدقيق والمراجعة الشاملة والتحليل العَروضي، والأستاذ/ محمد بن عبدالله السيف، والأستاذ سعود اليوسف، والأستاذ عبدالرحمن بن أبي عبدالرحمن بن عقيل الظاهري. وجاءت المقدمة بقلم الأديب أبي عبدالرحمن بن عقيل الظاهري بما يقرب 8 صفحات منها: وأنا أعلم أن شعر أحمد الناصر الشايع -حفظه اللّه - أضعاف هذا الديوان ولا سيما في الرد والمحاورة (القلطة)، ولكنه حذف كثيراً جدًّا ما كان ابن ساعته في مقارضته بالمثل من تجاوز الحدَّ.. مع أنه عفيف اللسان، وربما قطع المحاورة إذا تجاوزت الحدود. قال أبو عبدالرحمن: وقد شرَّفني الشاعر بالتقديم لديوانه؛ ففرحت بذلك؛ لأنه متع الله به عُمِّر، وأدرك كبار الشعراء، وكان من المعدودين على الأصابع من كبار الشعراء المكثرين المعاصرين كمرشد البذالي، ومحمد الأحمد السديري، وعبدالله اللويحان، وعبدالله بن صقيه التميمي -وإن كان حصر أكثر شعره في غرض واحد-، وحاضر بن حضيّر، وسليمان المطوع.. والذين يجيدون القصيد وشعر المحاورة قلَّة كسليمان بن شريم رحمه الله، وأحمد الناصر شريكه في هذه الظاهرة، كما شاركه وشارك الشاعر عبدَالله الدويرج رحمه الله وابن شريم نفسه. وله أيضاً من الألحان الطويلة القصيدة التي مطلعها: هلِّي دموعك يا عيوني / خبريني وِشَ انتِ في رجاهْ العين تبكي من توده / شوف مظنونك الغالي صعيب فكل شطر من خمس تفعيلات على هذا النحو: مستفعلن - مستفعلن - مستفعلن - فاعلن - مستفعلانْ. وجَعْلُ الشاعرِ كلَّ شطر على قافيتين يُعينه على ضبط مقاطع اللحن الطويل؛ ذلك أن البيت من ألحان قصيرة ذات مقاطع ثابتة تكون بمجموعها لحناً واحداً للبيت، وكل ألحان القصيدة على لحن البيت الأول. ومن أطول ألحانه قصيدة كل شطر منها سبع تفعيلات؛ وذلك في قصيدته التي مطلعها: زين النبا زارني بالحلمِ واحيا القلب بزيارته لو كانت احلامٍ ليلْ اللّه يغربل حلومَ الليلِ ما تبطي شوي وتروح بكل لذَّاتها فوزن كل شطر: مستفعلن - فاعلن - مستفعلن - مستفعلن - فاعلن - مستفعلن - فاعلانْ. إلا أن تفعيلة آخر الشطر الثاني (فاعلن).. وَيُقام الوزن غناء لكذا: (لو كانَتَ حْلام) و(شِوَيوْ تروح). وقد تم تقسيم الديوان إلى: القصائد الوطنية - قصائد- المناسبات- المدح - الاجتماعية - الغزلية - المجاراة - الرثاء. وسوف نستعرض على عجالة أبيات قلة من بعض قصائد الديوان ومن القصائد الوطنية: حنّا جنود للوطن بالطّوع والاختيار والحكم لله ثم لابن سعود وَرْثُ السعود الديرة اللي طبعها تنتج فروخ الحَرَار لعل وَبْل الوسم يسقيها ثقيل الرعود ومن القصائد الاجتماعية: اشهد ان الهدوم يْسَتَرنَ المعايب اثرها تستر الحرمة وتستر فحلها الاوادم بعضهم مثل وصف الجلايب لو توحَد بها ذيب الخلا كان اكلها من قصائد الغزل: أنا العام.. أنام الليل.. واليوم عيني ما تنام حياتي حياة ضنون واللّه يدبر ما يريد هالايام .. أشوف المَيْل .. خَطْرٍ عليّ مُنَ الهيام سُكَاتِي .. وأنا مغبون .. ينقص بعمري ما يزيد بالأوهام .. حَطُّ وشيل .. ياويل مجروح الغرام وصَاتِي .. تُرَجَع دُون .. زين النبا عنق الفريد بالرغم من أنه يجري على بحر معروف وهو بحر الطويل إلا أن الشاعر قام بأمرين الأول: استخدام كامل تفعيلات الطويل بصورته الأصلية التي لم يستخدمها الشعراء لصعوبتها وهي: (فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن) فجميع من استخدم بحر الطويل يقوم إجباراً بتغيير الملة الأخيرة لتصبح: (مفاعلن أو مفاعل) أما الشاعر هنا فقد استخدمها كاملة، ثم لم يكتفِ بذلك بل زاد تفعيلة على البحر فبدا كل بحر آخر وهي تفعيلة (فعول) في آخر كل شطر، فأصبحت تفعيلات هذا الوزن العجيب في كلا الشطرين: فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن فعولْ. وله في الغزل أيضاً قوله: أه باونَةٍ ونيتها لو صابت الضلع مخطور تهدَه ما يجاذب ونينه كود مفجوعٍ على ونته حاديه حادي يالله إنك تعين وترحم اللي يسهر الليل مجروح المودة الجروح القديمة زادهن هَمّ وغرابيل وجروح جدادي اشهد إن المحبة تجبر العاشق على الناس يبدي كل سدّه أتصوَر خياله كلما جا الليل كنّه يناديني منادي تفعيلات هذا الوزن: فاعلاتن مفاعيلن مفاعيلن فعولن مفاعيلن فعولن.. هذا الوزن ليس له وجود في الفصيح، وفي الشعبي هناك وزن مقارب له إلا أنه يبدأ مع بداية هذه التفعيلات ثم يتوقف عند (فعولن) قبل الأخيرة، وبالتالي فإن الشاعر قد زاد تفعيلتين عن الوزن المعروف وهذا تجديد وابتكار. وله أيضاً: يا نسيم الهبوب اللي تهبّين مرّي نور عيني وانعشيني بريحه عقب فرقاه عيني تسهر الليل كلّه واعذابي ليت عيني تشوفه جَمْع الاحباب زينة والتفاريق شينة يشهد الله مار ما ابْيَ الفضيحة افزعوا لي قبل تلحق عليّ المودّة من غرامه شِلْت هَمْ وكلوفة قام الشاعر بكل اقتدار بالجمع بين وزنين معروفين في الشعر الشعبي، ولا وجود لهما في الشعر الفصيح، وكلا الوزنين سهل المجاراة ولكن المعضلة الكبرى في كيفية المزج بينهما في الشطر الواحد! الوزن الأول: فاعلاتن فعولن فاعلاتن فعولن.. والوزن الثاني: فاعلاتن فاعلاتن فعولن.. وفي وقفتنا الأخير مع شعر الغزل: (هذه القصيدة من الطروق الصعبة جداً، لتعدّد الوقفات في كل بيت حيث تكررت خمس وقفات في صدر البيت، ومثلها في عجزه، ويسمّى (المعوشر)، وهو من ألحان الشاعر المبتكرة منها قوله). لو من ناديت يوحي .. يوم أنادي.. ما ضاق صدري في حياتي.. والنوم ما حارب عيوني .. والحب جرحه ما شكيته مار الفراق مُصيبة .. باح سَدَي .. كم واحدِ بَيّح بْسدّه.. من عصر أبوزيد الهلالي .. والناس ما فيهم حميّة خلّوا طبيب جروحي .. فالبلادي .. شوفه مع العالم غناتي .. وإن غاب عني واغبوني .. والصبر عقبه ما قويته قالوا تبي تدري به .. قلت ودّي.. واللي يلوم أهل المودَة.. يجري عليه اللي جرى لي .. طول الدهر عيني شقيّة إن راح راحت روحي .. واهجادي .. كل معه رمح الزناتي .. قوم وراي وقوم دوني .. واللي لقى غير لقيته طالت عليّ الغيبة .. ويش أبَدّي .. انا اشتكي بُعْدَه وصَدَّه.. وإلا اشتكي جور الليالي.. وإلا اشتكي حب اجنبيّة. قصائد المجاراة: في المجاراة والمسجلات كان له الكثير مع كبار الشعراء ومنها مجاراته لقصيدة الأمير خالد الفيصل التي مطلعها: قال الوداع وقلت: ريّع لي شوي اصبر ترى عمر السعاده ثواني جاراه بقوله: قال السلام وقلت حيرت رِجْلَيْ واشغلت بالي بالخفا والبياني قال استريح وقلت ما دامني حي أبْهِجْ ضميري وآخر العمر فاني قال الفراق وقلت وش عاد بِيْدَيْ ما هوب ودّي يا رهيف الثماني قال اثْر ابن لعبون يبكي على مَيْ قلت المحبة من بلاوي الزماني قال الغرام وقلت يطوي العرب طَيْ أنا أشهد إن الله بحبك بلاني قلت أنت لو سَمّوك فتنة هَلَ الغَيْ قال افتخر باسمي فلان الفلاني وأخيراً نقف عند باب الرثاء ونقتطف أبياتاً من قصيدة طويلة في رثاء ابنه الأكبر محمد بقوله: تخنقني العبرة وافرّك يديني واحترت مثل مصالي النار والغار عِلْمِ يخلّي كل قاسي يليني كنّه على قلبي رصاص أم كَرَّار إلى ذكَرْتْ عياله المصغريني هذا يعزّيهم وهذاك زَوّار أحْدِ على جنبه واحَدْ له ونيني جتني هموم القلب من كل الأقطار قلت اصبروا والله مع الصابريني الله يكافيكم صواديف الأشرار أحمد الناصر الشايع أبو عبدالرحمن بن عقيل الظاهري عبدالكريم الجهيمان إحدى الصور النادرة للشاعر غلاف الديوان ديوان نسمات الربيع