لم يكن التحوّل البيئي الذي تشهده المملكة حدثًا عابرًا أو قرارًا إداريًا محدود الأثر، بل جاء كمسار متكامل أعاد صياغة العلاقة بين الإنسان والأرض، ووضع الطبيعة في موضعها الطبيعي كقيمة وطنية لا تقل شأنًا عن أي منجز تنموي آخر، وفي قلب هذا التحوّل برز توجهٌ واضح لحماية الحياة الفطرية، وضبط الاحتطاب الجائر، وإنهاء الصيد العشوائي الذي أنهك البيئة لسنوات وعقود طويلة، في الماضي كانت الظروف المعيشية القاسية تدفع بعض الناس للاعتماد على الصيد والاحتطاب كمصدر للغذاء أو الدخل، عنده تعرضت كائنات مثل الظبي، والوعل، والذئب العربي، والقط البري، والضب، والطيور المهاجرة إلى تراجع مقلق، واختلّ التوازن البيئي في مساحات واسعة من البلاد، غير أن هذا المشهد تغيّر جذريًا مع انطلاق رؤية حديثة ترى أن حماية الطبيعة ليست تقييدًا للإنسان، بل حماية له ولمستقبله. إن النهج الجديد الذي تقوده القيادة المملكة وفي مقدمتها سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بن -رعاه الله- الذي وضع تعاملاً خاصاً مع البيئة باعتبارها مسؤولية سيادية، فتم إنشاء المحميات الطبيعية، وتفعيل الأنظمة، وتكثيف الرقابة، وإشراك الجهات الأمنية والعسكرية في حماية الغابات والمراعي والجبال، لتتحول الطبيعة من مساحة مستباحة إلى أمانة مصونة بقوة القانون، إن هذا التحوّل لم يقتصر على منع الصيد أو الاحتطاب، بل أعاد الاعتبار للجغرافيا السعودية بكل تنوعها، مثل الجبال التي كانت عرضة للتعديات، حيث عادت اليوم كرمز للجمال والهوية البصرية المعتبرة، والسهول والمراعي بدأت تستعيد غطاءها النباتي، فيما عادت بعض الكائنات البرية إلى مواطنها الطبيعية في مشهد يعكس استعادة التوازن البيئي بشكل تدريجي ومدروس. إن الأثر الإيجابي لهذا المسار تجاوز حدود البيئة ليصل إلى المجتمع والاقتصاد، فالسياحة البيئية بدأت تتشكل كرافد جديد، وجودة الحياة تحسنت، والوعي المجتمعي أخذ في الارتفاع، خصوصًا مع ربط الاستدامة برؤية وطنية شاملة تؤمن أن التنمية الحقيقية لا تقوم على الاستنزاف، بل على الحماية والتجديد، في هذا السياق، تأتي الجهود الفكرية والكتابية التي تواكب هذا التحوّل لتلعب دورًا مهمًا في ترسيخ الوعي العام، وشرح أبعاد المشروع البيئي بلغة قريبة من الناس، تستحضر التاريخ، وتقرأ الحاضر، وتستشرف المستقبل، وحيث إنه من منطلق الإيمان أن حماية شجرة واحدة اليوم تعني حماية أجيال كاملة غدًا، وأن احترام الكائنات البرية هو احترام لقوانين الحياة ذاتها، إن ما تشهده بلادنا الغالية اليوم في مجال حماية البيئة والحياة الفطرية ليس مجرد إصلاح بيئي، بل هو انتقال حضاري يعيد تعريف علاقة الإنسان بأرضه، ويؤكد أن الدولة الحديثة قادرة على الجمع بين القوة والتنمية، وبين الحزم والرحمة، وبين التقدم وصون الفطرة، إننا لم نحمِ الأرض فقط، بل إننا قمنا باستعادة الإنسان لوعيه ودوره كأمين عليها، لا مالكٍ مستبدّ بها. ماجد العنزي