في مراحل الإنسان الأولى فيما يعرف بمرحلة الطفولة ومتوالياتها، يكون الإنسان غالبا في حالة تقري مستمرة ومحفوفة بتساؤلات لا تنتهي، ولذلك دائما ما يعول على تلك المراحل في استدعاء المعارف وتوظيفها في الوعي الثقافي والمعرفي، حتى إن بعض الشعراء تحسر بصوت الغبن على فوات مراحل أول العمر بعد أُثقل بهموم الحياة وتشتت الذهن وشيخوخة الأفكار حين قال: فيَا لَيتَ الشّبابَ يَعُودُ يَوْماً فأُخبرَهُ بمَا فَعَلَ المَشيبُ فالمراحل الأولى للإنسان تمتلئ بالصفاء الذهني الذي يخلو من لوثات الحياة وكدر صفوها، فلا تزال النفس متحررة من كدر الحياة وكبد العناء، وكذا رواسب مقابح الخلق التي تخرِج الإنسان من الصفو، بل وقد تدخله إلى نوازغ الشيطان، وتدفعه إلى نحوٍ من إكراهات الحياة المقترنة بالحقد والكراهية والحسد وحب الذات والأنانية، وبالتالي تتغير منهجية التفكير والتعامل مع الأوضاع المختلفة وقيم جمال الوجود. إن الطفولة في أول مراحلها تعد أكثر ألفة وصفاء من غيرها، وتعد الأهم لتدوين الوعي في السيميائيات الثقافية المتنوعة، التي قادرة على إنتاج المعنى وتفسيره عندما نقف عليها بوعي وفطنة، وحين نعود أدراج الزمن لتك الفترة والتي غالبا ما تسيطر على مشاعرنا وأحاسيسنا وعواطفنا، لأن الرجل المتقدم في العمر، الذي مر بمسارات الحياة المختلفة تضطرب لديه منهجية التفكير فلا تخلو من حمولات مدججة بالشك والريبة وظروف الزمان والمكان، وهذا الاضطراب قد يفرضه الواقع الذي يعيشه بعد أن أثقل بهموم الحياة وتبعاتها، ولهذا يظهر بجلاء اختلاف الناس في معاملاتها اليومية عند تقدم العمر، وتتباين الجموع في طرائق سلوكها، وهذا هو ما يضع الآخر في حالة من الحذر المفرط تجاه الآخرين، مع زهد وإهمال ولامبالاة لجوانب تبدوا غاية في الأهمية ، وهنا تتجلى الفروق الفردية بين الأشخاص إزاء العلاقات الاجتماعية والحياة برمتها، ومدى السيطرة على مواجهة المواقف في سياق القدرة على الفهم بمنهجية منضبطة في التلقي وفي التعاطي، وحين يغيب فهمنا ويجنح تصرفنا تختّل موازين الفكرة ورؤى المعرفة، وحين تكون الواقف الانفعالية فإننا قد نعذر، ولكن لا يجب أن يكون هذا سياق مستمر، وإلا سوف يطمس دورنا ويغيّب مدى قدرتنا في إدارة الوعي والإسهام به كدور منوط بنا نحو الوطن والإنسان والأنساق المختلفة، فثمة كيفيات تلقٍ متعددة في مسرح الحياة قد تعطي اتجاهات مختلفة وننتج بها واقعا جديدا في الوعي الجمعي، واليوم تتحول الرياض كغيرها من مناطق المملكة إلى معرضا فنيا وجماليا مفتوحا بفضل رؤية سمو سيدي الأمير محمد بن سلمان -يحفظه الله ، حتى ترافق المشهد البصري مع شعور ذوقي وحس فني مع ابن الشمال سيف الشمري صاحب مقولة (الرياض ما عقبها) وقد ألهمتنا قرأته في المشهد العفوي الذي تداول في الوسائط الرقمية من الجميع، حول أبعاد الجمال في جنبات أبراج المالية وساحات الرياض الترفيهية، حين تحدث عن روعة وجمال مدينة الرياض، وتبنى دعوته المكفولة مشكورا سعادة المستشار تركي آل الشيخ، إننا لا نزال في مساحة للقدرة على فهم الجمال من حولنا وتداعيات أبعاده التي تحيط بنا من كل جانب، ولكي نكون أكثر دقة ووضوح حول هذا الموضوع فإنني أود أن أشير إلى مقالي الأسبوع الماضي الذي كان بعنوان (تفاصيل النسق الثقافي)، حيث أشرت في المقال أن النسق تتعدد اتجاهاته ويتجاوز إلى تفاصيل أخرى تقود إلى سياق تحرير بصري رائع حينما نقف بقلب وعقل يفطنان للشيء وما خلف الشيء، كما هي نظرة سيف الشمري للرياض ولأبراج المركز المالي، حين طفحت بالجمال وألهمتنا بدلالات عميقة وأغنانا قليل كلامه عن المزيد من الشرح لتكملة المراد من الكلام... وإلى لقاء.