شعار «حضورك مكسب» لا يعتبر شعارًا دعائيًا عابرًا لمهرجان الكُتاب والقراء المقام في الطائف هذا الشهر، لكنه اختزال ذكي لفلسفة ثقافية كاملة تعيد تعريف العلاقة بين الإنسان والمعرفة. على اعتبار أن المكسب الحقيقي في الفعل الثقافي لا يتحقق بالكتب المعروضة، ولا بعدد الندوات أو الأسماء المشاركة، ولكن بحضور القراء بوصفهم شركاء في صناعة التظاهرة وصياغة معناها، لا بوصفهم متلقين عابرين. فحين يقال للقارئ إن حضوره مكسب، فهو رسالة تتجاوز المجاملة إلى الاعتراف بقيمته الرمزية والمعرفية. فالثقافة في حقيقتها هي حوار وتساؤلات تنشأ بين الكاتب والقارئ، ومنه يتحول معرض الكتاب من مساحة عرض إلى فضاء تفاعلي تصنع فيه العلاقة مع النص، ويستعاد من خلالها دور القراءة. واختيار الطائف لتنظيم معرض الكتاب يؤكد هذا التوجه؛ لأنها مدينة ارتبط اسمها تاريخيًا بالشعر واللغة والذاكرة الثقافية، وهو ما يجعل حضور القارئ فيها امتدادًا طبيعيًا لسياق معرفي متجذر، فالمكان لا يمثل خلفية محايدة، بل عنصراً محفزاً يهيئ المتلقي للتأمل، ويمنح القراءة بعدها الإنساني العميق. ويأتي هذا الشعار بوصفه استعادة لمعنى الحضور في زمن تسارعت فيه المعرفة حتى فقدت ثقلها، وتحولت إلى استهلاك لحظي عديم الأثر، فالتوجه إلى معرض الكتاب ليس فعلًا ترفيهيًا، بل يدل على موقف واعٍ تجاه القراءة العابرة، وفيه محاولة لاسترداد الإيقاع البطيء الذي يعطي النص حقه، ويؤسس لعلاقة حقيقية بين القارئ والكاتب. إن شعار «حضورك مكسب» يعبر عن تحول مهم في الخطاب الثقافي، ينطلق من التركيز على الفعالية إلى التركيز على الإنسان. وهو وعي يؤكد أن الاستثمار الحقيقي في الثقافة بحيث يبدأ بالإنسان القارئ، وينتهي به. فحين يحضر القارئ، يحضر السؤال، ويحضر الحوار، وتحضر إمكانية التغيير، وفي هذا المعنى تحديدًا، يصبح الحضور فعلًا ثقافيًا مكتمل القيمة.