كشف الخطاب الذي ألقاه الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون بمناسبة حلول العام الجديد عن تفاصيل قليلة حول أولويات سياسة بلاده لعام 2026. وعلى غير المعتاد، لم يتضمن الخطاب ذكر كوريا الجنوبية أو الولاياتالمتحدة. وبدلا من ذلك، ركز كيم على أهمية الوطنية والولاء للبلاد، وعلى الحاجة لتعزيز التنمية الاقتصادية، حسبما يرى المحلل السياسي الدكتور إدوارد هاول. وقال هاول، وهو خبير بارز في شؤون الأمن في شرق آسيا، حيث يشغل منصب زميل مؤسسة كوريا لبرنامج آسيا والمحيط الهادئ في تشاتام هاوس البريطاني (المعروف رسمياً باسم المعهد الملكي للشؤون الدولية) في تقرير نشره المعهد، إنه مع توقع انعقاد المؤتمر التاسع لحزب العمال الكوري الحاكم مبكرا هذا العام، فإن من المرجح أن ينتظر كيم حتى ذلك الوقت ليطرح بتفاصيل أكثر الخطوط العريضة للأهداف السياسة الداخلية والخارجية لبلاده. ومع ذلك، فإن من الواضح أن عام 2026 سوف يشهد تركيزا متزايدا على مسألتين رئيستين. أولهما: الشخصية التي سوف تخلف كيم جونغ أون، بصفة خاصة على ضوء حالات الظهور العلني المتزايدة لابنته كيم جونغ آي التي تبلغ من العمر 13 عاما. وأجج هذا الظهور العلني المتزايد تكهناتٍ بأنها سوف تخلف والدها، لكن من السابق لأوانه استخلاص أي استنتاجات من هذا القبيل. وتتعلق المسألة الثانية بما إذا كانت كوريا الشمالية سوف تحيي حوارا مع كوريا الجنوبيةوالولاياتالمتحدة. وخلال العام الماضي، أكد الرئيس الكوري الجنوبي لي جاي ميونغ والرئيس الأميركي دونالد ترمب رغبتهما في إحياء الحوار مع كوريا الشمالية. ومع ذلك، أوضح كيم أنه سيرفض الجلوس إلى طاولة المفاوضات ما لم تتخل الولاياتالمتحدة عن "الفكرة التي تسيطر عليها بشأن نزع السلاح النووي". ويعد احتمال إجراء محادثات بين واشنطن وبيونغ يانغ أقل بكثير مما كان خلال إدارة ترمب الأولى. وتبدي بيونغ يانغ أيضا اهتماما أقل كثيرا بالدخول في حوار مع سول مقارنة بواشنطن، لأنه على الأقل تم استبعاد إعادة التوحيد السلمي لشبه الجزيرة الكورية كهدف سياسي في ديسمبر 2023. والأمر اللافت للانتباه هو غياب التركيز على شبه الجزيرة الكورية في استراتيجية الأمن القومي الأميركي الجديدة، التي صدرت في ديسمبر 2025. ويتناقض هذا الغياب بشكل صارخ مع استراتيجية الأمن القومي لإدارة ترمب الأولى في عام 2017، والتي أكدت على كل من التهديد الذي تشكله كوريا الشمالية والتحالف القوي للولايات المتحدة مع كوريا الجنوبية. ولم يرد ذكر كوريا الشمالية على الإطلاق في الاستراتيجية الجديدة، بينما تم ذكر الصين 21 مرة. وتماشيا مع دعوات واشنطن لمشاركة أكبر في تحمل الأعباء من جانب حلفائها، تحدد الوثيقة الكيفية التي يتعين من خلالها على كوريا الجنوبيةواليابان زيادة إنفاقهما الدفاعي "لردع الخصوم وحماية سلسلة الجزر الأولى"، التي تضم أرخبيلات اليابان وتايوان والفلبين وبورنيو في المحيط الهادئ. وأضاف هاول أنه رغم أن الولاياتالمتحدة لا تسعى إلى فك الارتباط بشرق آسيا تماما، تكشف الاستراتيجية الجديدة أن الأولوية الرئيسة لواشنطن في المنطقة هي ردع بكين، بصفة خاصة اقتصاديا، وليس بيونغ يانغ. ويمكن أن يشير عدم ذكر كوريا الشمالية أيضا إلى محاولة محتملة من جانب الولاياتالمتحدة لتجنب إغضاب كيم، على ضوء رغبة ترمب في استئناف الحوار. وشهدت حسابات كوريا الشمالية الاستراتيجية بشأن الولاياتالمتحدة تحولا ملحوظا منذ تولي إدارة ترمب الأولى، ليس على الأقل بسبب التقارب المستمر بين بيونغ يانغ وموسكو. ومنذ فشل قمة هانوي عام 2019 بين ترمب وكيم، تراجع اهتمام كوريا الشمالية في الدخول في محادثات مع الولاياتالمتحدة (ناهيك عن كوريا الجنوبية)، بينما توسع برنامجها النووي. في نهاية ديسمبر 2025، ذكرت وسائل الإعلام الرسمية في كوريا الشمالية بأن كيم جونغ أون تفقد غواصة جديدة تعمل بالطاقة النووية تزن 8700 طن، مما يشكل "تغييرا تاريخيا حاسما" في تعزيز قدرة الردع لكوريا الشمالية ضد تهديدات الأعداء. ورغم أن التفاصيل حول هذا السلاح الأخير قليلة، فإن هذا يؤكد أن بيونغ يانغ ليس لديها أي نية لتقليل التزامها بتطوير أسلحة نووية وصاروخية. وجاء إعلان كوريا الشمالية عقب اجتماع عُقد في نوفمبر بين الرئيسين لي وترمب، حيث أعطت الولاياتالمتحدة الموافقة على قيام كوريا الجنوبية ببناء غواصات تعمل بالطاقة النووية. وفي 19 ديسمبر، اتفقت سول وواشنطن على السعي لإبرام اتفاقية منفصلة لتعزيز التعاون في هذا المجال. وسوف تشهد هذه الاتفاقية قيام كوريا الجنوبية بتخصيب يورانيوم منخفض التخصيب لتوفير الوقود للغواصات والسماح للولايات المتحدة بنقل مواد نووية إلى كوريا الجنوبية للاستخدام العسكري، وذلك على غرار الاتفاقية الموقعة بين الولاياتالمتحدة وأستراليا بموجب الشراكة الأمنية أوكوس. وتعليقا على هذا الخبر، قال كيم إن كوريا الشمالية ستعتبر أي تعاون في المستقبل بين الولاياتالمتحدةوكوريا الجنوبية "عملا عدائيا ً" و"تهديدا أمنيا يجب التصدي له". في غضون ذلك، حثت الصين سول على "التعامل مع الأمر بتعقل وحكمة". ويمكن النظر إلى السماح لكوريا الجنوبية بتطوير ونشر غواصات تعمل بالطاقة النووية كجزء من استراتيجية أميركية لتحويل عبء ردع بيونغ يانغ إلى سول. وعلى هذا النحو، تستطيع واشنطن تكريس موارد أكبر لمواجهة ما تعتبره تهديدها الرئيس - بكين. وفي محادثات الرئيس لي الأخيرة مع الرئيس الصيني شي جين بينغ، أشاد لي "بالمرحلة الجديدة" في علاقات سول مع بكين. وتعهد الزعيمان بتنسيق أوثق لاستئناف الحوار مع كوريا الشمالية. وقال لي إنه طلب من شي القيام بدور الوسيط في شبه الجزيرة الكورية، بما في ذلك فيما يتعلق بالقضية النووية المتعلقة بكوريا الشمالية. ورغم أن الرئيس الكوري الجنوبي يتوق إلى استئناف المحادثات مع كوريا الشمالية، أبدت بيونغ يانغ اهتماما ضئيلا في المقابل. وقبل وصول لي إلى بكين، اختبرت كوريا الشمالية إطلاق صواريخ عديدة، من بينها صواريخ فرط صوتية، ردا على ما وصفته ب"الأزمة الجيوسياسية الأخيرة"، في إشارة واضحة إلى الهجوم الأميركي على فنزويلا. ومن المقرر أيضا أن يزور الرئيس ترمب بكين في 2026. ومع ذلك، ما زال يتعين رؤية ما إذا كان لي أو ترمب سوف يكون بمقدورهما تأمين دعم الصين لنزع السلاح النووي لكوريا الشمالية، وبصفة خاصة على ضوء تأكيدات الصين على علاقتها "الودية" مع كوريا الشمالية في العام الماضي. وتابع هاول أنه إذا نجح ترمب ولي في إحياء حوار ذي مغزى مع نظيرهما الكوري الشمالي، وهذا أمر غير مرجح، فإن كيم جونغ أون سوف يرغب في الخروج من أي محادثات بفوائد ملموسة، مثل تخفيف حدة العقوبات؛ أو وقف تدريبات عسكرية بين كوريا الجنوبيةوالولاياتالمتحدة؛ أو في نهاية المطاف، الاعتراف بكوريا الشمالية كدولة مسلحة نوويا. وحتى في حال عدم إجراء حوار، فإنه ما زال يتعين على واشنطن وسول العمل سويا لردع بيونغ يانغ من خلال مواصلة التدريبات العسكرية المشتركة (بما في ذلك مع اليابان)، وضمان الإنفاذ القوي للعقوبات، وعدم الرضوخ لعرض حوار غير مشروط على بيونغ يانغ. واختتم هاول تقريره بالقول إنه في الوقت الذي تواصل فيه كوريا الشمالية تلقي الدعم من كل من الصين وروسيا، فإنه يتعين على الولاياتالمتحدةوكوريا الجنوبية إبداء الإصرار وعدم إغفال التهديد المتزايد الذي تشكله، حتى إذا كانت بكين تمثل تحديا أكثر إلحاحا.