تعيش الطائف هذه الأيام لوحة طبيعية ساحرة لا يمكن أن تتكرر في أي مكان آخر، إذ تكتسي مرتفعات الهدا والشفا بحلّة ضبابية بديعة تمتزج فيها الغيوم بالجبال في مشاهد تخطف الأنفاس وتستوقف كل من يمر بها. فمع اشتداد البرودة وتساقط الأمطار تزداد المنطقة جمالاً فوق جمالها ويجد الزائر نفسه أمام طبيعة تأسر العين والقلب معاً، وكأن السماء تهبط نحو الأرض لتصافح القمم وتلامس الأشجار وتتناثر فوق الطرقات في مشهد يعيد تشكيل المزاج ويبعث في النفس راحة وطمأنينة لا تُوصف. هذه الأجواء الخيالية جعلت الطائف مقصداً لعشاق الرحلات القصيرة ومن يبحثون عن جمال لا يحتاج إلى جهد لاكتشافه، فالمتنزهون يتوافدون إليها من مختلف محافظات المنطقة، ومن مدن قريبة لا تستغرق الرحلة منها سوى وقت يسير مثل مكةالمكرمةوجدةوالباحة، وما إن يصل الزائر حتى يشعر بأن الحرارة تنخفض من حوله وأن رائحة المطر تمتزج بعطر النباتات الجبلية في تجربة تمزج بين البساطة والدهشة في آن واحد. ومع ساعات الصباح الأولى تتشكل الخيوط الأولى للضباب وكأنها عباءة بيضاء تلف جبال الهدا والشفا، ثم يبدأ المشهد في التحول تدريجياً من ضباب خفيف إلى سحب تلامس الطرق الملتفة حول الجبال، فيمنح كل نقطة من هذه المرتفعات شخصية متفردة. لا عجب أن انتشار الصور عبر منصات التواصل الاجتماعي صار ظاهرة يومية في هذه الفترات، فكل زاوية في الطائف تبدو وكأنها لقطة سينمائية لا تحتاج إلا لعدسة تلتقطها. ورغم البرودة التي تزداد كلما صعدت الطرقات نحو قمم الهدا والشفا، لم يمنع ذلك المتنزهين من الخروج والتنزه وصناعة أجمل لحظات الذاكرة العائلية والرحلات الودية، بل إن البرد هنا جزء من سحر التجربة، إذ يمنح المكان روحاً شتوية محببة تزيد من دفء اللحظات بين العائلات والأصدقاء عند الجلوس فوق المرتفعات أو في الاستراحات والمقاهي المنتشرة هناك، حيث يجد الزائر نفسه محاطاً بضباب كثيف من حوله ودفء أكواب الشاي والقهوة في يده. الطائف بالفعل مدينة عشق في الصيف والشتاء معاً، ففي الصيف تبقى الوجهة الأولى للهروب من حرارة المدن الساحلية القريبة، فهي لا تبعد سوى ساعة واحدة تقريباً عن مكةالمكرمة وساعتين عن جدة، ما يجعلها ملاذاً مناسباً لمن يرغب في الاستمتاع بهواء عليل ودرجات حرارة معتدلة ونسمات ليلية تعيد للروح صفاءها. أما في الشتاء فتنقلب المدينة إلى حكاية من الجمال الذي لا يمكن مقاومته، إذ تتزين الطرقات بالغيوم المنخفضة وتتساقط الأمطار على سفوح الجبال وتتحول الأجواء إلى مزيج رائع بين الضباب والمطر والبرد اللطيف الذي يعشق الجميع استنشاقه. ولأن الطائف مدينة تجمع بين الماضي والحاضر، بين أصالة المكان وحداثته، تبقى في كل فصل محافظة على هويتها الفريدة. فمن جهة تمتد المزارع والحقول التي اشتهرت بها كزراعة الورود والفواكه الموسمية، ومن جهة أخرى تنتشر المتنزهات والحدائق والجلسات المطلة على منحدرات الهدا في مشاهد تجعل الزائر يشعر أنه يسير في مدينة ترسمها الطبيعة بريشة فنان، كما أن قربها من الباحة يضيف إليها روحاً جبلية متصلة بطبيعة السراة، فيشعر القادم من الجنوب بأن المسافة ليست إلا امتداداً للمرتفعات الساحرة، بينما القادم من مكةوجدة يجد نفسه ينتقل من الأجواء الدافئة إلى عالم بارد يخطفه خلال دقائق. وما يميز الطائف كذلك أن أجواءها لا تعتمد على فصل محدد، فهي مدينة يمكن زيارتها في أي وقت من العام والاستمتاع بطبيعتها على اختلاف تقلبات الفصول. ففي الشتاء تتزين بالسحب الثقيلة والضباب الكثيف، وفي الربيع تفوح رائحة الورود، وفي الصيف تنتعش المرتفعات بالهواء العليل، وفي الخريف تظهر الطائف بشكل شاعر يختلط فيه لون الأرض برذاذ المطر المتأخر، كل ذلك يمنح المدينة سحراً يصعب وصفه ويجعلها واحدة من أكثر مدن المملكة تنوعًا وجذبًا للزوار. وبينما يلتقط المتنزهون صورهم اليوم وسط الضباب ويشاركون العالم مشاهد المدن التي تعانق السحاب، يبقى شيء واحد ثابت لا يتغير وهو أن الطائف مدينة وقعت في قلوب الناس منذ زمن، وأن عشقها لا يرتبط بموسم معين ولا بدرجة حرارة محددة، بل هو إحساس يتجدد كلما صعدت طرقها الجبلية ورأيت السحاب يهبط ليصافحك عند القمم. إنها الطائف... مدينة الرائحة العطرة والهواء النقي والمرتفعات الساحرة، مدينة تجتمع فيها الأجواء الخرافية مع القرب الجغرافي، فتكون أقرب مما تتخيل وأجمل مما تتصور. أجواء الشفا الساحرة حينما يختلط المطر بالضباب