اعتبرت الاختصاصية في الحوكمة الدولية والمستشارة في التنمية الاقتصادية الدكتورة نوف الغامدي: "اعتماد وزير المالية ورئيس مجلس إدارة المركز الوطني لإدارة الدين محمد بن عبدالله الجدعان خطة الاقتراض السنوية للعام المالي 2026م، بعد مصادقتها من قبل مجلس إدارة المركز ليس مجرد تمويل فحسب بل تحول ناضج في فلسفة السياسة المالية السعودية؛ من إدارة الدين كاستجابة ظرفية لدورات الإيرادات، إلى هندسة مالية استراتيجية مرتبطة بإدارة دورة الاقتصاد ودعم التحول الهيكلي الذي تقوده رؤية 2030. هذا التحول يظهر جليًا في حجم التمويل، وتركيبته، وتنوع أدواته". وقالت الدكتورة الغامدي للرياض: "من وجهة نظري، فإن رقم الاحتياجات التمويلية البالغ نحو 217 مليار ريال يحمل دلالتين مهمتين؛ الأولى أن 165 مليار ريال مخصصة لتغطية العجز المتوقع، وهو عجز مُدار وليس توسعيًا، والثانية أن 52 مليار ريال ستُوجَّه لسداد أصل الدين المستحق، ما يعني أن نحو 24 % من الاقتراض مخصص لإدارة الاستحقاقات القائمة وليس لإنفاق جديد. هذا المؤشر يعكس انضباطًا ماليًا عاليًا، ويؤكد أن صانع القرار لا ينظر إلى الدين كأداة ترحيل للمخاطر، بل كأداة إدارة نشطة للالتزامات، خصوصًا في ظل بيئة عالمية تتسم بتشدد نقدي وتقلبات في أسعار الفائدة". ومن وجهة نظر اقتصادية ترى الدكتورة الغامدي أن العجز المتوقع رغم ارتفاعه الاسمي لا يشير إلى سياسة توسعية غير منضبطة، بل يأتي في سياق إنفاق رأسمالي موجّه لمشاريع استراتيجية ذات أثر مضاعف على النمو، تشمل البنية التحتية، والسياحة، والصناعة، والطاقة المتجددة. ووفق بيانات وزارة المالية، فإن نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي لا تزال ضمن نطاقات آمنة مقارنة بالاقتصادات النظيرة، وهو ما يمنح الحكومة مساحة مالية محسوبة لاستخدام الدين كرافعة تنموية دون الإخلال بالاستقرار الكلي. وأضافت: "في تقديري، لا تكمن أهمية الخطة في حجم الاقتراض بحد ذاته، بل في تنويع قنواته وأدواته. استمرار الجمع بين الإصدارات المحلية والدولية، والصكوك والسندات، إلى جانب القنوات العامة والخاصة، يقلل مخاطر التركّز ويرفع مرونة هيكل الدين. هذا التنويع يحد من حساسية التمويل لتقلبات سوق بعينها، ويعزز كفاءة التسعير، وهو ما يفسر قدرة المملكة على الحفاظ على تكلفة تمويل عادلة حتى في ظروف عالمية ضاغطة". وتابعت الغامدي: "التحول الأبرز من وجهة نظري يتمثل في التوسع المنهجي في التمويل الحكومي البديل، خصوصًا تمويل المشاريع والبنى التحتية، والاستفادة من وكالات ائتمان الصادرات. هذا التوجه ينقل جزءًا متزايدًا من عبء التمويل من الميزانية العامة إلى نماذج قائمة على الأصول والتدفقات النقدية المستقبلية، ما يرفع جودة الدين نفسه ويقلل مخاطره طويلة الأجل. اقتصاديًا، هذا يعني الانتقال من منطق "الدين كالتزام" إلى "الدين كاستثمار منتج". وعلى مستوى السوق المحلية ترى الدكتورة الغامدي أن استمرار برنامج صكوك المملكة بالريال السعودي يحمل أثرًا هيكليًا مهمًا؛ فهو يعمّق سوق الدين المحلي، ويحسّن منحنى العائد، ويوفر أدوات استثمارية مستقرة وطويلة الأجل للمؤسسات المالية وصناديق التقاعد والتأمين. كما يسهم ذلك في تقليل الاعتماد النسبي على التمويل الخارجي، والحد من مخاطر سعر الصرف، وتعزيز السيولة بالعملة المحلية. ومن زاوية ثقة المستثمرين، تعكس الخطة في تقديري على حد تعبيرها مستوى مرتفعًا من الشفافية والتخطيط المسبق، سواء عبر الإعلان عن تقويم الإصدارات أو توضيح مبادئ إدارة المخاطر. هذا الوضوح عنصر حاسم في الحفاظ على التصنيفات الائتمانية السيادية، خصوصًا في وقت تشهد فيه العديد من الاقتصادات ضغوط تمويلية حادة وارتفاعًا في نسب الدين. وخلصت الدكتورة الغامدي إلى أن خطة الاقتراض للعام 2026م لا تمثل مجرد أرقام لتمويل عجز، بل إعادة تعريف لدور الدين العام كأداة لدعم النمو، وضمان استمرارية المشاريع الاستراتيجية، وتعزيز استقرار الاقتصاد الكلي، ضمن إطار حوكمة مالية أكثر نضجًا، تقوده وزارة المالية بقيادة معالي محمد بن عبدالله الجدعان، وبإدارة تنفيذية متقدمة من المركز الوطني لإدارة الدين.